اقرأ في هذا العدد
 
 




سوالف
 
طين حِرّي
طين حِرّي
 
شريف سعود

الرافدَينيّون، ولأنهم أبناء الأنهر والبساتين، لهم مع الطين حكايا منذ بدء الخليقة، الغِريَن المحتضن عضود الشلب وجذور النخيل، تحتضنه رؤوسهم التي "تجدح" بأفكار التماهي معه، أو كقرين وعشق باعتباره مادة تكوينهم الأولى، أو لتطويعه بيوتاً وأثاثاً وتماثيل وقراطيسَ التدوين الأول الذي تتذكره البشرية حين وقفة إنصاف.
في المنفى الصحراوي في مخيمَي رفحاء والأرطاوية، أخذوا الطين وحكاياه، ورافكهم عشكهم هذا نديم بوح بسوالف ماتخلص، لذا حين استقر بهم المقام هناك، مرغمين، لم يكونوا على ودٍ مع الخيام، ولم يستطعموا سكناها، و"جدحت" برؤوس بعضهم في البدء فكرة تطويع الطين، وأخذوا يستغلون فُضالة الماء لمزجه أو "تخميره"، ومن صناديق حفظ الفواكه قوالب لصنع اللِبن، فكانوا يقتلون وحشة الزمن الطويل هناك بطينهم، ولأن الأرض رملية واللِبن لايصمد أمام المطر وسيوله في ذاك الوادي الجدب، عمدوا الى تغليفه بچادر الخيام، من الخارج، ومن الداخل . كان" الهندي" السائق الذي يأتي بما هم في حاجة إليه من ملابس ومنظفات وما شاكل، هو المنقذ، إذ كانوا يدفعون له ما تبقى في الجيوب من نقود ومتخلّين بطيب خاطر عن تلك الاحتياجات لصالح كيس جص أو فُرش رسم وألوان، وكان يُحضرها في غفلة من إدارة المخيّم المتشددة بكل شاردة وواردة إلى أن رضخت لواقع أبهرها، بل تفاجأت بصبر العراقي وإصراره على الخلق من اللاشيء، فسمحت باستقدام تناكر الماء، وتوسعت "خمرات" الطين وصار المخيّم وكأنه ورشة عمل لايُسكت صخبها حتى الليل، وحين صارت تلك الغرف التي ارتفعت وكأنها أيدٍ ورؤوس من طين تشير شمالا لحنين حيث  الرافدين وطينهما الأول، وصارت صومعات يتيه بها خيال الصوفي لما تحمله جدرانها الداخلية من نقوش ورسوم وزخارف، وصارت وكأنها حاجز بين الرؤوس التي يعتمل بها الشوق للأهل والديار، وبين صحراء شاسعة حبلى بضياع مديد.
أما ماكان يتبقى من چادر الخيام، صار بنطلونات وقماصل خاطها بعضهم، أو بديلاً للكنفاس لخلق لوحات تشكيلية أبهرت بما حمّلها الفنانون من ثراثٍ وإرث غزير زوّار المخيّمين من وفود الأمم المتحدة ودوائر الهجرة التي أتت فيما بعد، ليقف السادة أمام معجزة الطين والألوان في الصحراء. وكانت المعارض التشكيلية تُقام في حجرات اللِبن تلك مثلما كان الشعر والمسرح والأحاديث في السياسة وكرة القدم ملاذات أمينة من سوداوية التفكير بالمصير.
ومما علق في البال من تلك الفترة - التجربة، ذاك العجوز العراقيُّ الذي مرّ بي مسلماً وانا "أروك" بالطين بقدميَّ، وحين أطال النظر مشجعاً، ردّدتُ له ماقاله شاعر عراقي: "نحنُ طينكَ يا الله"، فأجابني برصانة العارفين: "طين حِرّي بوية، طين حِرّي مايتبربَث"، في إشارة منه "بالحِسچة" إلى التماسك والصلابة أمام عاتيات زماننا الطويل المليء بالملمات.. وماكانت تلك إلا واحدة منهن.