اقرأ في هذا العدد
 
 




كلام في الجد
 
كاميراتيون
كاميراتيون
 
جواد غلوم

من غرائب مايجري في محافلنا الثقافية اننا نلاحظ  في كل تجمّع أدبي أو فني نشارك فيه بدعوة من إحدى المؤسسات الأدبية والفنية للاحتفاء بأديب أو فنان أو اية تظاهرة ثقافية؛ الحظ ظاهرة غير مستساغة تتمثل في الحشود الهائلة من المدعوين وربما غير المدعوين يحمل كاميرته أو هاتفه النقال أو مايسمى الآي باد وممارسة هواية التصوير سواء جماعات أم فرادى لا لسبب التوثيق للمناسبة وانما عروض نرجسية غير مستساغة بحيث يكون هذا القبيل أو ذاك من الأغلبية الحاضرة الذين يصحّ ان نسميهم " الكاميراتيين " لايهمهم مايجري من حوار أو نقاش أو عروض أدبية وفنية بقدر مايهمهم ان يلتقطوا صورا لعرضها أمام الأصدقاء والمقربين أو نشرها في صفحاتهم في مواقع التواصل الاجتماعي لاشباع رغبات شكلية سطحية ونزوات لاشباع النرجسية الروحية دون اشباع العقل بمحتوى الندوة التي دعي اليها. 
هذه الظاهرة الجديدة اضحت تقليعة سائدة انتشرت بشكل مهول بحيث نسي المدعوون الغرض من الزيارة والحضور للهدف الاهمّ وهو الاطلاع على ابداعات مايدور في المحافل تلك من مادة أدبية أو فنية أو الاستماع الى المحاضرات والمناقشات الفكرية والمساهمة في اثراء الندوات بالحوار والنقاش الموضوعي لينشغلوا باللقطات المصورة مع هذا وذاك من صحبهم وعدم المبالاة بالهدف الذي من أجله تمت دعوتهم. 
كنا قبلا نرى واحدا مختصا بتصوير مايجري من أجل توثيق مؤتمر ما أو ندوة أو جلسة أدبية أو فنية لكننا الان نرى حشودا يصعب عدّهم من الكاميراتيين الذين يصاحبون المدعوّين والزوار وشغلهم الشاغل التقاط الصور بهيئات مختلفة، فهذا الأديب أو ذلك الفنان يرافقه رهط من اصدقائه وربما صديقاته وصحبه الذين لايغفلون أية حركة الاّ والتقطوا لها صورة، ناهيك عن صور السيلفي التي شاعت بشكل مهول بحيث أخذ كل واحد يلتقط صورا عديدة لنفسه تماهيا واعجابا واظهارا لنرجسيته، أما مضامين الندوات والحوارات التي تنمّي العقل فهي شأن كمالي وبذخ لم نعد نعبأ به بالقدر الذي تعلقنا بالشكل والبهرج الزائف والتصوير الرخيص أو حتى غير المكلف سوى اعادة شحن البطارية الخاصة بالكاميرا أو الهاتف النقال. 
ليت هؤلاء يعملون على شحن عقولهم وتفعيل أدمغتهم وشحذها بالمعرفة وتصغي آذانهم لما يدور في الحوارات والندوات والمؤتمرات، لكني اعرف تماما اني انفخ في قِربة مخرومة وأنفاسي تقطعت، فهذا الحالة صارت ماركة مسجلة في كل الاجتماعات والندوات الفكرية ومن الصعب جدا أو حتى من المحال العزوف عنها في هذا الزمن الغارق بالثقافة المسطحة الهشة التي لاتغذي عقلا ولاتشبع نهِما الى المعرفة.