اقرأ في هذا العدد
 
 




بريد الجنوب
 
أمي وأبي وأنا
أمي وأبي وأنا
 
عواد ناصر

سألني  العديد من أصدقائي ومعارفي: لماذا ترد أمك في قصائدك وكتاباتك بينما لا ذكر لأبيك؟
الجواب بسيط وحقيقي: لأنني أعرف أمي جيداً ولا أعرف أبي إلا لماما.
كنت ألعب في الشارع عندما نودي علي: أبوك يريد أن يراك قبل أن يموت!
هُرعت راكضاً إلى البيت برغم أنني لم أكن أدرك معنى الموت ولم أر جثة ميت في حياتي الصغيرة (لم أر جثة ميت حتى اليوم!).
كان لي من العمر، آنذاك، خمس سنوات فقط.
دخلت البيت الطيني، حيث كان أبي مسجى على فراشه تحيط به نسوة يندبن وينعين لم أعرف منهن سوى أمي.
ألقيت بنفسي على أبي فاحتضنني ثم قبلني لكنني كنت بلا مشاعر خاصة، بينما كان أبي شاحباً، صامتاً، بعينين شبه مغمضتين وكانت حنجرته تصعد وتنزل ولم يزل قادراً على كلام قليل جداً.
قال وهو يحشرج: أريد واحد يغني.. ماكو واحد يغني؟
جيء بشخص من أقاربنا اسمه "مطرود" ليغني ولم يكن صوته سيئاً وغنى أبوذيات حزينة طبعاً.
هذا كل ما أتذكره من أبي.
أمي استكملت القصة لاحقاً: قالت: تزوجني أبوك في العاشرة من عمري (هل بالغت أمي؟)، زوجة ثانية. كنت ألتقط الشيب من لحيته وشاربه.
شببت مع أمي بعد رحيل أبي الذي لا أعرفه، لكن العديد من اصدقائي يعرفون أمي التي استقبلتهم في بيتنا بمدينة "الثورة" أو "البنوك" منهم جمعة الحلفي والمرحوم كزار حنتوش وفاضل السلطاني وقاسم الساعدي وحميد قاسم والمرحوم شاكر السماوي والمرحوم ذياب كزار (أبو سرحان) وكاظم الواسطي وعلي محمود.. وآخرون من أصدقاء السبعينات.
طلبت مني أمي أن أشتري راديو فاشتريت واحداً.. كانت تستمع لإذاعة الـ"لبي بي سي" العربية، التي تهرب إليها عندما تبث إذاعة بغداد أغنية لأم كلثوم كل يوم جمعة من الساعة الواحدة حتى الثانية ظهرا (لاستقطاب المستمعين إلى نشرة أخبار الحكومة في الثانية ظهراً)، وكانت تقول: "حطّوها حتى يروحون يتغدون وينامون"!
نشأت، فعلياً، مع أمي، فأنا "تربية حرمة" كما يشتم العراقيون أبناء الأرامل!.
لكنني "ربيت" أمي أيضاً، فصارت تحب محمود درويش، مثلاُ، لأنها شاهدته في التلفزيون عندما زار العراق في مربد السبعينات في مقابلة تلفزيونية وعلقت: "صاحبك خوش يحجي (يحكي)"!
سأكمل قصة أمي ومحمود درويش في عمود مقبل. إذا ما أنسى!.