اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 لقائي الأول مع باسكال مرسييه
 أبولنير..الشاعر الذي باع مليون نسخة من ديوانه ومات جائعا
 شاعر بقبعة من القش وفكرة مرهفة
 لمترجم تركي واحد.. مؤلفات عربية في مكتبات اسطنبول
 أطفال القراءة

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

حقيبة مهاجر
 
في لقائي بـمايكل أونداجي.. حياة شاقة مليئة بالمفاجآت
في لقائي بـمايكل أونداجي.. حياة شاقة مليئة بالمفاجآت
 
علي بدر

مايكل أونداجي هو الذي كتب رواية المريض الإنكليزي، الرواية التي حصلت العام 1991 على جائزة البوكر الأدبية في لندن، وعن قصة هذه الرواية أعد المخرج أنتوني منغيلا فيلمه الشهير الذي حمل نفس الاسم.
قبل الفيلم لم أكن أعرف عن الرواية أي شيء، ولكن بالمصادفة كنت قرأت قصيدتين مترجمتين للكاتب ذاته في مجلة الآداب البيروتية، وقد قدمته المجلة كشاعر كندي من أصل سيرلانكي. عدا هذه المعلومة لم أكن أعرف عنه أي شيء آخر، وحتى الفيلم الشهير الذي أعد عن روايته لم أشاهده إلا العام 2001 في بيروت في مهرجان عالمي للسينما. 
في العام 2003 أرادت صحيفة الأندبندت البريطانية أن تستطلع آراء بعض الكتاب عن قراءاتهم من الروايات الإنكليزية بمناسبة نهاية العام، فعملت استطلاعين الأول للكتاب الناطقين باللغة الإنكليزية، والثاني لكتاب من شتى أنحاء العالم، فاتصلت بي الصحيفة طالبة رأيي، غير أني لم أقرأ ذلك العام غير روايتين أو ثلاث من الأدب الأميركي، ورواية واحدة من أستراليا، ورواية بالانكليزية من جنوب أفريقيا، فلم يكن من المعقول أن أبدي رأيا حصيفا بطبيعة الرواية المكتوبة بالانكليزية من خلال مجموعة صغيرة من الروايات، وقبل أن أعتذر، بعثت الي الصحيفة مجموعة من الروايات الإنكليزية الصادرة العام 2003، من بينها رواية جديدة لأونداجي اسمها على طاولة الآخرين. 
رواية أونداجي شغفتني منذ صفحاتها الأولى، فهي رواية اكتشاف طفل مهاجر للعالم واستيهاماته عن هذا العالم، وهو على متن باخرة تربط سيلان ببريطانيا. إنه سرد مكتوب بطريقة شعرية أخاذة. رؤية استبطانية لطفل مهاجر من المستعمرات البريطانية التي كانت تمزقها الحروب العرقية، وشهوده لأحداث فجائية على ظهر السفينة حيث الأفكار الطائشة، والرغبات الفردية المجنونة. وقد ركزت الرواية على عالم الصراع الذي حدث بقوة بين المزارعين الذين يحتفظون بتراث الأرض وبين المحتلين، أي القادمين الجدد، الحاملين لنظم سياسية جديدة وروح إدارية جديدة. كل هذا مكتوب من خلال لغة شعرية حسية، خالية من الانطباعات، فأصبح النص نوعا من المغامرة الحزينة لطفل يرى العالم من خلال سذاجة متفوقة من الناحية الروحية على كل الذكاء الناضج الشرير. 
كتبت عن الرواية لصحيفة الاندبندت بحماس، وقد نشر الاستطلاع فعلا نهاية العام 2003، غير أني فوجئت بعد شهرين من العام الجديد بأن تسلمت رسالة شكر من مايكل أونداجي، وبعد أشهر وصلتني من ناشره مجموعة من دواوين شعره ورواياته. 
في العام 2010 ترجمت روايتي حارس التبغ إلى الإنكليزية. وكان مدير النشر في دار بلوزمبيري في لندن قد أعد لي برنامجا خاصا يتعلق بحفلة شرفية لتوقيع الرواية، ولقاء مع الجمهور الإنكليزي في أكثر من مكتبة في بريطانيا، ومن ثم ندوة يقيمها نادي الساوث بنك في لندن، وهو ناد ثقافي عريق يقع على نهر التايمس، بصحبة روائيين عراقيين أيضا، هما صموئيل شمعون وأنعام كاججي. بعد انتهاء الندوة جاءتني سيدة في الثلاثين من عمرها، وقدمت نفسها على انها تعمل في مؤسسة ريد كوت، عرفت فيما بعد أن هذه المؤسسة هي وكالة أدبية كبيرة، تشرف على إدارة أعمال كتاب كبار في العالم، وتقوم بالترويج لهم. فأسعدت كثيرا، ذلك أن العمل الأدبي في الغرب ليس عملا فرديا محضا، إنما هو عمل مؤسسي أيضا، أي أنه يخضع إلى جملة من العمليات المعقدة التي تديرها المؤسسات المتخصصة، من الاتصال بالناشرين، الى شركات الداعية، الى الصحفيين، إلى تنظيم الندوات للكاتب، إلى الاتصال بالجامعات العالمية، إلى المهرجانات، الخ...عمل معقد جدا ويشرف عليه خبراء من كل نوع ومن كل صنف، ومن دون هذا العمل الإداري المحض  يبقى الأديب أو عمله، مهما كان كبيرا، في الظل ربما إلى نهاية حياته.
في اليوم التالي اتصلت السيدة وقالت أنني مدعو إلى حفل خاص، يحضره عدد كبير من الأدباء والنقاد والصحفيين، ولكن حضوري يجب أن يكون ببدلة سموكن سوداء، وبابيون إما أسود أو قرمزي. حيث سيكون جميع المدعوين هكذا. في الواقع لم يكن معي في حقيبتي غير بنطلونين من الجنز وبنطلون من القماش، ولم يكن أسود، وبلوزين ملونين من الصوف الناعم، ومعطف مطري، لمعرفتي أن صيف لندن غزير الأمطار، ربما حتى أكثر من الشتاء. فعلى الأغلب هنالك زخة من المطر في اليوم تطول أو تقصر، ثم تخرج الشمس بعد ذلك لتنير العالم بلون نقي.
 كنت أعرف بحدسي أهمية تواجدي في هذا الحفل الذي تنظمه هذه المؤسسة. وفي الوقت ذاته استحالة تلبية هذا الطلب، فذلك اليوم كان يوم أحد، ومن الصعب إيجاد محل لبيع هذا النوع من البدلات. وعلى العموم فإن تجارة هذا النوع من الملابس ليس أمرا متوفرا على نحو واسع، فهي محال خاصة ومتواجدة في أماكن خاصة، ولم تكن لي أية معرفة بأماكنها في لندن، بل أقول الصدق أنني لم يسبق لي قبل هذا التأريخ أن اشتريتها أو لبستها، بل لا أعرف حتى ما أسعارها سوى أنها غالية الثمن جدا. فتلبكت جدا. انهيت المكالمة دون أعرف ماذا سأصنع، فقد وافقت وقتها دون أن تكون لي إرادة بالقول لا، ذلك أن رغبتي في الحضور كانت أكبر من الاستسلام لهذه الصعوبة. 
اتصلت بجميع أصدقائي، فوجئت أن لا أحدا منهم يعرف اين ابتياعها ولا اية معلومات عنها. ثم اتصلت بناشري عله يعرف كيف يمكنني أن أتدبر هذا الأمر، فطلب مني أن أتريث لمدة ثلاثين دقيقة كي يتصل بمن يعرف ليجد لي حلا. بعد ثلاثين دقيقة اتصل وقال الحل ان هنالك محلا كبيرا يفتح في العطل الرسمية يبيع أو يؤجر هذا النوع من البدلات، ففرحت جدا، قلت له من الأفضل أني أؤجر ذلك لأني لا أظن أنني سأحتاج اليها بعد هذه المرة. 
في الحفل قابلت للمرة الأولى مايكل أونداجي. وقد عرفته بنفسي، قلت له أني منذ سبع سنوات كتبت عن روايته طاولة الآخرين لصحيفة الاندبندت. لم أكن أعلم أن هذه العبقرية الأدبية تحفل بكل هذا الهدوء والتواضع. كل الصفات الإنسانية تستكمل بهذه الشخصية الآسيوية التي تنطوي على رؤية شعرية وروحية للعالم. لا أتذكر من ذلك الحفل الذي حفل بالكثير من المفاجآت الأدبية وغير الأدبية غير هذا اللقاء اليتيم، حيث تكلم أونداجي عن حياته الشاقة كطفل مهاجر وسط عالم جديد. يشبه كثيرا طفل روايته التي حققت أكثر المبيعات في العالم.