اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 نهار في باريس .. أمام الورد في ذكرى الدم
 كرهت الحساب وأحببت القراءة ومعلمها
 قبل ان يرتوي الشاعر من بيته
 كل مافقدت من كتب حزنت عليها إلا كتاب واحد
 محمد الهجول حكاية السجين السياسي والمحرر التشكيلي

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

اوسع من نافذة
 
عريان في سويسرا
عريان في سويسرا
 
عبد الزهرة زكي

أنْ تكون رحلتك على الطائرة إلى بلد ساحر بجمال طبيعته تزوره للمرة الأولى وتكون برفقة صديق نادر فستكون لكل متاعب وقت الرحلة خفّتها التي تمرّر العناء بيسرٍ لتظل متعتها مستقرةً في البال والوجدان..
في ساعة مبكرة من صباح يوم جمعة مررتُ بعريان السيد خلف، حيث نسكن الحيَّ ذاته، لنمضي معاً إلى مطار بغداد باتجاه اسطنبول محطتنا في الطريق إلى زيورخ سويسرا. هذه هي المرة الأولى التي أزور فيها سويسرا، وهي المرة الأولى أيضاً التي تجمعني فيها رفقة السفر بعريان ولنظل أطول فترة معاً حيث قضينا عشرة أيام مشتركة بين زيورخ ولوزان وجنيف.. كنت أحسب أن مزاجينا مختلفان، لكن كان يهمّني التعرف على طبيعة رؤية شاعر شعبي كبير للمكان الآخر..
 في العادة يستطيع واحد مثلي توقّع ردود أفعال شعراء الفصحى في السفر واكتشافاته، وهي ردود أفعال يكون في الغالب مصدرها ثقافياً أكثر من طبيعته الإنسانية التلقائية، بينما الشاعر الشعبي هو ابن مكانه الأول، قريته ومدينته وبلده، وهو الأشد وضوحاً في الالتصاق والتعبير عن طبيعة هذا المكان بدافع الحس الانساني المباشر الذي يعبُرُ على التأثير الثقافي ويتجاوزه..
 كانت مناسبة سفرنا هي مشاركتنا في مهرجان المتنبي الشعري الدولي (أواخر عام 2009)، بدعوة من الصديق الشاعر علي الشلاه، إلى جنب شعراء وشاعرات من العراق ومن مختلف القارات والبلدان.. كان ثالثنا من بغداد الصديق الأستاذ عبدالرحمن طهمازي الذي سأتحدث عنه وعن رفقته في مناسبة أخرى وعدد آخر من المجلة.. 
في ثقافتنا العربية بقي الاختلاط بين المشتغلين بالأدب الشعبي والعاملين بآداب العربية الفصحى اختلاطاً إجتماعيا أكثر من كونه اختلاطاً ثقافيا إبداعياً إلا في حالات نادرة عربياً فيما الأندر بينها هي الحال بين الطرفين في الثقافة العراقية تحديداً.. إنها ثقافة ظلَّ أدباءُ الفصحى فيها ينظرون بتعالٍ غير مفهوم لأدباء العامية وللأدب المكتوب بها، بينما هؤلاء الأدباء من مستخدمي العامية ينظرون هم أيضاً لأدباء الفصحى بوعي مشوَّه على أنهم كائنات تستحق العطف لغربتها اللغوية والتعبيرية الشعرية ومن ثمّ فشلها في الاندماج بمحيطها الشعبي..
 كنتُ بموجب هذا وذاك أنتظر الكيفية التي سيكون عليها شاعر شعبي عراقي في محيطٍ من شعرٍ عربي فصيح وآخر من شعر ثقافات أخرى.. والآن أستطيع القول إن سعادتي برؤية بلد آسر بطبيعته التي تتقاسمها الخضرة والمياه والجبال والسماء لا تضاهيها إلا سعادتي بالتعرف عن قرب على عريان السيد خلف الذي كان متأملاً بروح شعرية حاذقة لكل التفاصيل وممتعاً في التنبيه على ما تكتشفه عينه الشعرية في ذلك المكان الغريب ناهيك عن جمال الرفقة الإنسانية التي يلطّفها الشعر ويرقّقها سمو الوجدان.. 
في سنوات الشباب الأولى كنت اقرأ ما يقع بيدي من شعر عريان، وكذلك قصائد الراحل كاظم اسماعيل الكاطع وآخرين من جيلهما ومن جيلٍ تالٍ لهما، كانت جدية عريان والكاطع وزملائهما في كتابة قصيدة شعبية جديدة تتواصل مع ما انجزه قبلهما مظفر النواب ثم شاكر السماوي وآخرون.. وكانت تجارب هؤلاء تغري بمتابعة نصوصهم التي بدت أقرب إلى شعر الفصحى الحديث إفادةً وتفاعلاً. وكان هذا التجاور مما يشجع على لقاءات شعرية مشتركة لم تحصل ولكن ها هي تحدث وبنتائج طيبة نسبياً إنما في سويسرا.. 
عريان واحد من الشعراء الذين ابتدأوا نجوماً.. ربما كانت قصائد عريان قد سبقته إلى النجومية، فقد عرف الناس قصائد عريان السيد خلف قبل أن يتعرفوا على شاعرها عريان. يومها، في أواخر الستينات ومطالع السبعينات، لم يكن هناك انترنيت ولا طباعة إلكترونية، كان الاستنساخ بالخط اليدوي وربما باعتماد الكربون في الاستنساخ، وهذان هما وسيلتا انتشار قصائد الشاعر وتسربها إلى القلوب لتحفظ عن ظهر قلب، وكل ذلك حصل قبل أن تنتشر قصائد عريان وزملائه عبر الصحافة وقبل أن يصدر قرار (قانون) بمنع نشر وتداول الأدب العامي (حفاظاً على سلامة العربية الفصحى) كما أشيع بينما كانت الحقيقة السياسية المعارضة هي وراء ذلك القانون الذي عاد مصدروه فاستثمروا جانباً من الأدب الشعبي بأسوأ استثمار في الحرب والتمجيد الشخصي، وهو استخدام واستثمار ما زال يشكل عبئا على كرامة هذا الأدب برغم كل الجهود الابداعية لندرة من المخلصين فيه، وكان عريان بينهم، لصون شعر العامية وحفظه من الابتذال..
هكذا استقر عريان في قلوب محبيه حيث كانت تنمو نجوميته بما يتوفر عليه من موهبة وبما جُبل عليه من موقف وطني وشعبي لم يتغير. ما لم أقله، وهو ما سأختم به، هو الآتي: في الطريق من البيت إلى المطار للسفر نحو زيورخ كان جواز تسهيل مرور السيارة في رصافة بغداد وكرخها وفي زحمة نقاط التفتيش آنذاك هو عريان..
 فكان ما أن تبطئ السيارة من سيرها حين نمر بنقطة تفتيش وما أن تقع عيون الجنود والشرطة على عريان حتى نحاط بكرم وسخونة المشاعر الإنسانية التي يكنّها الناس للشاعر.. 
كان من حسن الحظ أننا خرجنا مبكرين إلى المطار لتفادي أي طارئ يحول دون وصولنا، فكان الطارئ فينا، في سيارتنا وبوجود عريان فيها.. لقد كان على عريان أن ينزل من السيارة أكثر من مرة للتصوير مع الشبان المحظوظين بكون نوبات حراستهم قد ترافقت مع مرور شاعر نجم بهم.