اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 حديثة : مدينة منسية برغم تضحياتها في مقاومة داعش
 بين ابو الخصيب والفاو أضرحة النخل في اعماق الأنهار الموحشة
 سوق الاستربادي محطة الريفيين الذي اصبح شاهدا تراثيا
 حي العامل هدية عبد الكريم قاسم لعمال السكك
 المحلة التي كانت عاصمة الدنيا باب الشيخ تغيرت كثيراً وأصاب بيوتها الاندثار

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

ذاكرة مكان
 
عندما اصطاد الانجليزي ثعلب القرية فهزج ابناؤها لنجدته..حي ميّت واوينه نريده!ـ
عندما اصطاد الانجليزي ثعلب القرية فهزج ابناؤها لنجدته..حي ميّت واوينه نريده!ـ
 
كريم راهي

غالباً ما يُوصف الثعلب، في حكايات الجدّات، على أنّه مكّار، حتّى أن جنرال حرب كبير مثل (رومل)، لم يجد مدوّنوالتأريخ حرجاً في أن يطلقوا عليه لقب (ثعلب الصحراء)، لشدّة مكره ودهائه. 
لكنّ يبدو أنّ لقدرات هذا الكائن الدماغيّة المبالغ فيها، حدودا، لاترقى في أحسن أحوالها، إلى أن تكون مسيّرة إلاّ بدافع غريزة الجوع، التي تقوده، طائِعاً، إلى حتفهِ.
ففي مأثور شعبي، كان صيّادو ثعالب الفراء السكندنافيّون، يعمدون إلى حيلة مبتكرة بغرض صيدها، مستفيدين من شغفها الأزليّ المتوارث بمذاق لحوم الطيور، بأن يضعوا دجاجة حيّة داخل قفص يحيطونه بالأعمدة الخشبيّة العالية التي تُصفّ بشكل حلزوني ذي عدّة لفّات، تاركين له مجالاً ضيّقاً لأن يحشر نفسه فيه في محاولة الوصول للطعم. 
ولماّ كانت لدهاء الثعالب حدود غير مقدور على تخطّيها، فإنها حين تدخل الفخاخ بدافع الإغواء الغريزي، لا تفكّر بكونها غير قادرة على الإستدارة للعودة أدراجها، أو السير للخلف بغية الخلاص، فتبقى ساكنة في مكانها، غير قادرة على الخروج.
وهكذا يجد الصيّادون في الصباح، غنيمة قادها سوء التدبير إلى سكاكين السلخ. أمّا الدجاجة المسكينة التي تكون قد قضت ليلة رعب حقيقيّة أمام فكّ وأربعة مخالب يائسة، فلم أتوصّل إلى معرفة فيما إذا كان سيُكرر عليها الدور ثانيةً، أم إنّها تكون قد ماتت فزعاً عقب تلك التجربة.
بسبب من أنّ كلاهما يمتاز بالمكر والحيلة، لذا صار الكثيرون - وأنا منهم- يعتقدون أنّ الثعلب وابن آوى هما ابنا عم، لا بأس أن يؤتى على ذكر الآخر، في معرض الحديث عن أحدهما.
ما أعرفه عن كليهما، هو أنّ الأولّ حيوان قارت (آكل للحوم والنباتات)، والثاني قمّام (آكل للجيف)، وربّما لهذا السبب تصنِّف جدّاتنا الواويّة إلى نوعين؛ واوي دجاج وواي الخسّ، وصرن يفرّقن بينهما على أساس إنّ واوي الخسّ (أو الخضرة بشكل عام) خوّاف، بينما ينام واوي الدجاج وذيله في القفص، كناية عن شهيّته الكبيرة للحومها، شأنه شأن ابن عمّه الثعلب الإسكندنافيّ الذي صار إلى خبر كان.
لكنّ (أبا الحصّين)، كما كانوا يسمّونه أيضاً، ورغم خطره الشديد على ماكانت الجدّات تربّيه من دواجن، لم يكن يتطيّر من رؤيته أحد. فهو على عكس الأرنب، إن اعترضك في الطريق (يقولون عنها في المأثور عرضة احصيني)، فهذا يعني فألاً حسناً.. ولا ريب أن هذا ماجعل شاعراً مثل الملاّ عبود الكرخي يقول في واحدة من قصائده:
"إذا يعرضله أرنب هذا شرّ يصير
والواوي بعرضته تكثر الخيرات"
ولاغرابة أنّ هذا الـ (أبو الويو)، كثير الأذى، كان غالباً ما يستوطن المخيّلة الشعبيّة التي ستنتج فيما بعد، الكثير من الأمثال ستكون له منها، حصّة الأسد، من مثل:
"جاك الذيب جاك الواوي، عرس واوية، ماكو زور يخلى من الواوية... إلخ".
عنك أنّ هنالك الكثيرين ممّن كانوا يتسمّون باسم (واوي) في ريف العراق، ليس إقلّهم شهرة  الجد الأكبر لعشيرة (جبور آل واوي)التي تتركز في المناطق التابعة للحلّة بالعراق؛ الشيخ (واوي آل عجل)، الذي يُروى الكثير عن شجاعته التي ليس لها نظير. ولا حاجة للتفسير بعد هذا، سبب كون نخوتهم هي (أخوة واوية).
ومن طريف ما يُروى عن بدايات دخول المستعمرين الإنجليز للفرات الأوسط، أنهم وجدوا في تلك الأرض، مرتعاً لممارسة هواياتهم في الصيد، فكان أن استطاع أحد الضبّاط صيد(واوي) يبدو أنّه كان من جمال المظهر ما دعى الجنديّ لأن يأسره حيّا بغية الإحتفاظ به للتباهي.
لكن يبدو أنّ سوء طالع هذا المحتلّ جعل أحد رعاة الغنم المحليّين يكون شاهد عيان على حادثة أسرهِ للواوي، ومغادرته مع فصيل الجنود للمكان، فخمّن أن عملية ترحيله ستكون إلى (لندن) حتماً، أسوة بكبار الأسرى من القادة، فهرع من ساعته إلى الشيخ (كاصد)، صاحب المقاطعة التي أُسر فيها الحيوان، وطفق يرتجل بباب ديوانه، بغرض تأجيج حماسته واستنهاض نخوته، كون عملية صيد الواوي تمّت ضمن حدود مقاطعته:
واوينا يكاصـد شل سبب كضـه
تراجيّه ذهـب؟ لو طـوكه من فضـه؟
جم صـوجر بصـوجر بالسدر عضه؟(الصوجر هو الجندي وأصل الكلمة Solger)
ثم رفع طرف عباءته بيد، وعصاه بالأخرى، وصار يضرب الأرض بإيقاع منتظم وهو يردد كما يفعل المهوال في لحظة استجلابه للردّة:
أهاا أهاا.. أهاا أهاا...ميســـور لـ(لنـده) يـودونـه.. 
بقيّة القصّة تقول أن الشيخ جمع رجاله متوجّها بهم إلى المعسكر بغرض استعادة الحيوان المأسور، ويُروى عن معركة دمويّة جرت آنذاك جعلت القائد العسكريّ للمنطقة يأتي بنفسه لكي يفاوض الشيخ ويرغمه على دفع جزية (كانت تسمّى آنذاك دِن)، مقابل الجنود الذين نالت منهم بنادق رجاله، كي يعيد إليهم الواوي. وهنا أنشأ جمع التفّاكة الذين كانوا يرافقون الشيخ بالهتاف: "دن ما ننطي وهِد واوينه!" لكنّ القائد أجابهم بالقول أن الواوي قد لايكون حيّاً الآن من أين لنا بجلبه إليكم؟ ويحفظ لنا الرواة الشفاهيّون أنّهم أجابوه على الفور بهوسة أخرى: "حي ميّت واوينه نريده!"
ما حدا به لأن يعيد إليهم الواوي، فتهدأ ثائرتم ويعودون به أدراجهم.