اقرأ في هذا العدد
 
 




أما بعد
 
الشعب يريد..بئس المصير!ـ
الشعب يريد..بئس المصير!ـ
 

عامر بدر حسون
amerbhassoun@gmail.com

من أخطر الأشياء على الشعوب، في عصرنا هذا، رفع شعارات من نوع: "الشعب يريد"! 
ما رُفع هذا الشعار ببلد إلا واصبح البلد والخراب شيئا واحدا!
منذ أواخر القرن التاسع عشر اطلق غوستاف لوبون تسمية عصر الجماهير في كتابه "سيكولوجية الجماهير" وقد لحقه سيجموند فرويد بكتابه "علم نفس الجماهير" ومن يومها انتبه أصحاب العقول والضمائر الى الخطر الذي تحمله كلمة الجماهير، أو الشعب، أو الأمة على الأوادم، خصوصا حين تطلق هذه النداءات والتسميات من قبل محترفين يعرفون على أي وتر يعزفون للجماهير كي ترقص أو تقتل! حصل هذا في تأريخ البشر مرارا وتكرارا ودفع الجميع ثمنا باهظا له.
وفي الحقيقة فانني ومنذ وقت طويل صرت اتجنب ذكر كلمة الشعب أو الأمة أو الجماهير في كتابتي، لم ينتبه لهذا أحد غيري، وكنت استخدم كلمة الناس أو البشر أو الأوادم والخ.. هي محنة تعبير مررت بها وكان هدفي هو ان لا اشترك في عرس أو مأتم تقيمه الجماهير وأصحابها القادرون على تحريكها.. حكومة أو معارضة.
في العام 1973 اشتركت في تظاهرة جماهيرية تأييدا للجبهة الوطنية وكانت التظاهرة تنتهي في ملعب الشعب حيث تلقى الكلمات والخطب. انتبهت وأنا في التظاهرة الى انني كنت اتصرف بسخافة لا مثيل لها، فبعيدا عن مشاعري وطبيعتي الهادئة والمتأملة كنت اقفز هنا وهناك، بحجمي الترانسستر، كي انافس من حولي في الحماسة والاخلاص، وفي النهاية، حاولت ان استمع الى صوتي. لكنني لم أجده! لم أجده بمعنى الكلمة. رفعت صوتي وغيرت الطبقة التي اهتف بها وغيرت في النبرة والنغمة لكنني لم اسمعه، لقد ضاع في هدير الجماهير! وتوقفت جانبا ولم أدخل الى ملعب الشعب.
 عدت ماشيا مسافة طويلة وانا اؤنب نفسي على حماقتي التي لم اتخيل يوما انني قادر عليها. وقرأت فيما بعد ان الفرد، حتى لو كان شديد التهذيب، حين يشترك في تظاهرة جماهيرية، فانه يتصرف كتمساح إذا كانت الجماهير في حالة "تمسحة"، بمعنى انه يفقد القدرة على التفكير السليم والطبيعي. هي مفاهيم ونظريات علمية كتبها مئات والاف بعد لوبون وفرويد، وقد استخدمتها الحكومات الشريرة للاساءة الى الناس أو المتظاهرين، وليس هذا غرضي بالطبع من ذكرها.
لم اكن في العراق عندما طلب مني اصدقاء تأييد تظاهرة للمثقفين في بغداد، فلم افعل لان شعاراتها العمومية لم تلق هوى في نفسي، وكان شعارها "الشعب يريد القضاء على الفساد"  فرأيت انه يشبه رفع شعار: "الموت للشيطان الرجيم"! وقلت لصاحبي سأؤيد اية تظاهرة ترفع شعارا محددا وواضحا حتى لو كان شعار: "الموت للفاسد زكي جمعة"!
المظاهرة الأخيرة التي شاركت بها كانت في بيروت، وكان لها معنى.. واي معنى؟! ففي العام 1979 قامت المخابرات العراقية باغتيال زميلنا عادل وصفي (خالد العراقي) وغالبا ما كانت المخابرات تقوم بهذه الجرائم، وكان لكل واحد منا اسمان أو اكثر وطرق مختلفة للخلاص من المخابرات ومتابعتها لنا، والدليل ان الشهيد خالد العراقي كان يستخدم اسم عادل وصفي. وامتلأنا غضبا في تشييعه من جامعة بيروت العربية الى مقبرة تل الزعتر أو مقبرة الشهداء، ما عدت اتذكر. وعندما مر حشدنا أمام مقر قوات الصاعقة، وهي تنظيم حزب البعث السوري في المقاومة الفلسطينية، وكنا نظنها تنظيم جبهة التحرير العربية (تنظيم حزب البعث العراقي) هتفنا بقوة: (بدنا نحكي ع المكشوف/ بعثية ما بدنا نشوف)! واشتغل الرصاص من كل صوب، وعرفنا فيما بعد ان رصاص الصاعقة كان تأييدا لنا، فيما كان رصاص جبهة التحرير العربية لتفريقنا وتخويفنا.. وفي هذه الأثناء أخذت بيد الزميلة رحمة خوفا عليها من الرصاص، والذي حصل انني لم اطلق يدها منذ ذلك اليوم! المهم انني وبعد زواجي من "الزميلة أم نوار" توقفت عن الخروج في التظاهرات والمسيرات لخطورتها.. وحتى لايظن أحد انني من انصار تعدد الزوجات!
لقد بدأت بالفلسفة وعلم النفس وانتهيت الى الحديث عن زواجي وكل هذا لانني اقتربت من الحديث عن التظاهرات التي تتحدث عن الشعب (يريد أو لا يريد) وهي خربطة لابد منها لكل عربي، فالتظاهرات العربية تبدأ بالقول انها "سلمية.. سلمية" وتنتهي بتحويل البلد الى انقاض! وهو حال بلدان عربية استولت داعش على مصائرها واعتقد ان هذا هو ما نسميه: بئس المصير!