اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 حديثة : مدينة منسية برغم تضحياتها في مقاومة داعش
 بين ابو الخصيب والفاو أضرحة النخل في اعماق الأنهار الموحشة
 سوق الاستربادي محطة الريفيين الذي اصبح شاهدا تراثيا
 حي العامل هدية عبد الكريم قاسم لعمال السكك
 المحلة التي كانت عاصمة الدنيا باب الشيخ تغيرت كثيراً وأصاب بيوتها الاندثار

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

ذاكرة مكان
 
على صغر مساحتها جمعت العراقيين على اختلاف طوائفهم..الكريمات..أزقة ضيقة حافلة بحكايات بغداد القديمة
على صغر مساحتها جمعت العراقيين على اختلاف طوائفهم..الكريمات..أزقة ضيقة حافلة بحكايات بغداد القديمة
 
عبد الجبار العتابي/ تصوير: حسين طالب

ليست مجرد (دربونة) متعرجة، تتشعب منها ازقة قصيرة تؤدي الى نهر دجلة، وأخرى الى مركز المدينة، بل هي محلة شعبية تمتد جذورها في اعماق التاريخ، وعلى قدمها فإنها مازالت تمتلك سر بقائها، فما بين منظر ممتع وخلاب وآخر يثير في النفس الحنين الى الماضي، تشعرك الكريمات انها  جزء من بغداد القديمة التي تقرأ عنها في حكايات تأسيس المدينة المدورة..
سينما الاندلس 
تقع المحلة في الجانب الغربي من بغداد، وحدودها، كما ورد في اطلس بغداد 1952،هي: من الشمال نهر دجلة ومن الشرق كرادة مريم ومن الغرب الشواكة وعلاوي الحلة ومحلة الدوريين، والترقيم الحديث لها هو (محلة 218)،يجاورها جسر الاحرار،  وحين النظر اليها منه يستغرقك الوقت في تأمل جمالياتها لاسيما ان النهر والزوارق وحركة الأرض هناك تضفي عليها بهجة، على الرغم من ان بعض بيوتها القديمة اصبحت عاجزة عن مقاومة الطبيعة ويظهر عليها الخراب، أما البيوت المشيدة حديثا فكأنها تسلب الكريمات صورتها البغدادية القديمة الزاهية. وحين تحاول النزول من الجسر تجد ان البناية الحكومية التابعة لوزارة الموارد المائية تقف حاجزا يحجبها من هذا الجانب فيما الوقوف أمام الطريق المؤدي اليها يثيرك بتفاصيله الفوضوية  لاسيما في اخر النهار،  فهناك مواقد للسمك المسكوف والمقهى الصغير، بأثاثه  القديم وادواته، وهو يحفل بالكثير من الجالسين، وان جلست ستشعر بمسرة، لكنني قبل ان ادخل الطريق المؤدي وسط المحلة، حانت مني التفاتة الى المكان الذي كانت تقوم عليه سينما الاندلس التي افتتحت عام 1949 باسم (ريجنت) اي (الوصي) وقد أزيلت بسبب شق شارع حيفا، لكن اثارها المعنوية ما زالت باقية لان الكثيرين ما زالوا يتذكرون افلامها الجيدة وبنايتها الجميلة، وقد كان في رأس المكان، قريبا منها، ربع دائرة حيث العديد من الدكاكين في الساحة المسماة (ساحة جمال) التي كانت محطة نهائية للعديد من حافلات نقل الركاب ذات الطابق الواحد والطابقين .
 
رائحة الخبز والتعايش 
(الدربونة) العامة للمحلة كما يسميها أهالي الكريمات تمر بعدة منعطفات صغيرة، وقد سكنتها أسر صابئية ومسيحية ويهودية، فضلا عن الأسر المسلمة، يلفت انتباهي الطابوق المقرنص الذي صفت به ارضيتها، ومن ثم المقهى الأكبر من سابقه ومن ثم اشم رائحة الخبز المنبعثة من الفرن الصغير المجاور، والطريف انني كلما توغلت في الأزقة الضيقة كنت اشم روائح الطعام المتداخلة من البيوت القريبة جدا من بعضها، ومازال بعض بيوتها يحافظ على شكله القديم سواء بالبناء البغدادي المزين بالشناشيل أم بالدربونات مغلقة النهايات، المكتوب في مدخلها عبارة (الدربونة ما تطلع)، أما الذهاب الى النهر فالنظر من هناك ممتع للغاية ومازال البعض يمارس عمله في نقل الناس الى صوب الرصافة بالزوارق، لم تعد هنالك ما تسمى بـ (الشريعة) حين النزول الى النهر بعد رصف الشاطىء، بل هناك درج كونكريتي يؤدي الى النهر، وهناك من تجده يتحدث عن ان هذا المكان طالما كان مدرسة لتعليم السباحة مثلما زاول الكثيرون هنا مهنة صيد السمك، فيما يتغنى  البعض بجلسات السمر التي يقيمها ابناء المحلة على ضفاف النهر وفي مقاهيها التي يذكرون اشهرها وهي مقهى الشاعر الشعبي محمد العصري ومقهى قاسم السبع، وضياء مالو، ويذكر لي الروائي علي حداد : (ان اشهر مقاهيها  مقهى ابو زمن وقد مضى على تأسيسها 80 عاما، لكن طغت عليها مقهى ابو ناطق لجلوس الفنانين فيها)، أما في الحديث عن درابينها فيذكرون ان لها اسماء مثل دربونة العلوية ودربونة ابو عجينة ودربونة الدوب التي كانت تؤدي الى مقر السفارة البريطانية، وهناك  من يؤكد بفخر ان أهم ما تميزت به محلة الكريمات هو (احتضانها للحركات الثورية في تأريخ العراق الحديث، حيث وفرت درابينها الضيقة، وبيوتها المتلاصقة ملاذاً للعديد من المناضلين ومن ابرزهم احمد المرزا الذي قاد اتحاد الطلبة العام آنذاك والذي اعدمه انقلابيو شباط الأسود وكذلك شعوبي محمود وعلي شكر اللذين طاردهما النظام السابق طويلاً ومازال في الأذهان حاضراً موقف ابنائها بعد الاجهاز على ثورة 14 تموز حيث حوصرت المحلة بالدبابات والقطعات المدججة بالسلاح واقتيد ما يقارب 40 مناضلاً من ابنائها وصدرت بحقهم مختلف الأحكام الجائرة) 
 
مشاهير 
ويحدثني الفنان حمودي الحارثي عنها قائلا : الكريمات كانت من اجمل ما يمكن، كانت مقر شيخ الطائفة المندائية، الشيخ عبد الله، والد الدكتور عبد الجبار عبدالله الذي اصبح بعد ثورة 14 تموز 1958 رئيسا لجامعة بغداد وهو عالم جليل، وكان يسكنها ايضا من اقربائه المعروفين الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد وابنة خاله الشاعرة لميعة عباس عمارة، ويبدو ان الصابئة اختاروا المكان لقربه من النهر  لوجود طقوس لديهم تتعلق بالماء، ولكنهم هجروها فيما بعد .
 واضاف الحارثي قائلا أن اشهر البيوتات فيها بيتا السويدي وعبد الرزاق الظاهر النائب المستقل وبيت صبحي الدفتري، والشيء البارز  فيها فنانون ورياضيون ورسامون منهم الرسام والنحات يحيى جواد رحمه الله الذي اخرج بسام الوردي فيلما عنه والرياضي علي السماك الذي كان يعمل عاملا سماكا وفيها احمد ابو النفط احد اشقياء المنطقة النظيفين!!
    وأوضح الحارثي أن: شارع حيفا، للأسف، شق الكريمات، وهذا اكبر خطأ، وكان المفروض ان تهدم المحلة وكذلك الشواكة وباب السيف وان يكون شارع حيفا على الكورنيش، لكان افضل .
 
الدب وعلوش 
ويستذكر الروائي علي حداد اشهر شخصياتها وابرزهم احمد ابو النفط وحسين الاقحم، ومن اشهر الشخصيات ايضا: علوش، الذي كان يصارع الدب أمام الناس ويقال ان الدب الذي جاء به  تعود ملكيته لشخصية من شخصيات بغداد أأتمنته عليه وكان علوش قد انقذ الكثير من الغرق، وانا شخصيا كنت اسميه  بهرقل الجبار، لانه رجل مربوع وبلحية سوداء جميلة يستعرض جسمه أمام الناس، وكذلك محمد العصري شاعر غنائي كتب اغنيات لنرجس شوقي  وفائزة احمد وزهور حسين، والدكتور جاكي عبود اليهودي كانت عيادته  هناك لمعالجة الأمراض العقلية وملهى ليالي الصفا الذي اختطفت فيه المطربة اللبنانية نزهت يونس لمدة ستة أيام من دون ان يصيبها منهم مكروه او اساءة !!، واشهر نسائها هي ام الفتوح (فتحية) التي كانت  من اكثر النساء (حلالة) للمشاكل وكان الرجال يخشونها، فلسانها السليط يمنعهم من التلصص على النساء اللواتي تعلمهن السباحة وقت الغبش.  
  ويروي علي حداد واحدة من الحكايات الظريفة عن الملقب (احمد  شحاطة)، فقد اخذ النسوة في سيارته الى كربلاء، وفي الحلة (فتر عنده  المشروب)  فأستدار نحو بغداد من دون ان يدري وحين وصلوا.. تحديدا الى ملهى ليالي الصفا وأضويته المبهرة صاحت النسوة اللهم صل على محمد وآل محمد، ثم وبعد حين رأين الراقصات يترجلن من السيارة  بعريهن  وهن يتمايلن في  مشيتهن صرخن في وجهه فضربته النسوة بالمداسات (شحاطات) وهكذا لصقت الشحاطة باسمه!!.
 
 أسماء ومسميات 
اسمها الغريب يثير الباحث عن معناه، ربما يقتنع به او لا يقتنع، فاللفظ الشائع والمتداول كأنه اعجمي، حيث يتم تسكين حرف الكاف (الإكريمات) وان كان في الكتابة يكتب (الكريمات) حيث يستتر حرف (الألف) ويظل (الكاف) ساكنا، والاسم مستحدث اذ ان المحلة قبل هذا كانت تعرف بإسم محلة (الزركشي) التي تعود تسميتها الى أواخر العهد العثماني كما ورد في كتاب فيلكس جونس، نسبة الى عالم اسمه محمد الزركشي، دفن فيها وقبره معروف للعامة آنذاك، وتؤكد كتابات المؤرخين ان نشوء المحلة المذكورة كان قبل العصر العثماني فقد ذكر مؤلف (الجدول الصفي من البحر الوفي/ مخطوط) الورقة (90) ان (قلعة تحمل اسم الزركشي كانت قائمة في نهاية القرن الثامن للهجرة، الثالث عشر للميلاد وكانت لها أركان وأسواق فدمر كل ذلك تيمورلنك عند احتلاله بغداد)، وتلفظ كلمة (الزركشي) عند العامة (الزركجي) .
  وقد اخبرني الروائي علي حداد، وهو من سكنة المنطقة القدامى، انه سأل كبار السن في المحلة عن سبب تسميتها (الكريمات) فأكدوا له هذه الحكاية: (اصل اسم الكريمات جاء من رجل، من أهالي المنطقة الغربية للعراق اصلا، اسمه كريم وكان كريم النفس واشتهر بعفته ونزاهته وطيبة قلبه، جاء الى المحلة من أجل نسيج سجادة له، وقد كانت المنطقة تشتهر بالحياكة، فطابت له الاقامة فيها ففعل، واعجب به الناس لكرمه وورعه، وحين مات اخذ الناس يتناقلون الخبر ويرددون (كريم مات.. كريم مات ..كريـمـمات.. كريمات) .. وهكذا صارت  التسمية، لكن هناك من يقول  انها سميت بالكريمات بسبب اتخاذ عشيرة الكريمات العربية لارضها مسكناً)، وربما استمدت هذه العشيرة اسمها من المحلة التي اشتهرت باسم الرجل الذي بالتأكيد ترك اسرة او اسرا فيها.
 الكريمات .. سواء كانت من النساء الكريمات فيها او من (كريم (الذي) مات) فترك اثرا طيبا، أو من عشيرة الكريمات، تبقى مطلة على نهر دجلة بحكاياتها الجميلة وزهو ناسها المحبين لها رغم انها صغيرة، يكفيها فخرا ان تمد رجليها في النفس وتغتسل بمائه وان تتكيء على جسر الاحرار مثل امرأة (شيخة) تتطلع الى كل شيء جميل حولها والى الضفة الأخرى للنهر، فيما الزوارق تلهو على سطح الماء ببهجة، فتعلن المحلة عن نفسها واحدة من شذرات بغداد القديمة التي تتلألأ بتأريخها وتراثها وطيبتها .