اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 خليل الرفاعي يوم سقطت على رأسي في الزير
 يوسف العاني : اصبحت جحا .. فحملني الجمهور الى الشارع
 جعفر السعدي : يوم تحولت الى ريشة
 بهنام ابو الصوف : يوم كدنا نحترق في الموقع الاثري
 عباس جميل يوم منحتني الجامعة العربية لقب موسيقار

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

يوم من عمري
 
صباح عطوان:هاتف الصباح الذي كان الاكثر رعبا في حياتي
صباح عطوان:هاتف الصباح الذي كان الاكثر رعبا في حياتي
 
عبد الجبار خلف

 حين طلبت من الكاتب الكبير صباح عطوان أن يستذكر لي يوما من أيام حياته لا يمكنه أن ينساه ، انتبه .. كأن السؤال أذهله ، وقال : لقد فاجئتني بطلبك عن يوم مهم في حياتي وما دريت أني أعيش ذكرى اليوم المهم حقا يوم طلبك هذا.
هذه المرة أنا الذي شعرت بالذهول ، وقلت يا للمصادفة ، فقلت له : حدثني اذن، فقال وهو يرمي بصره الى البعيد : في هذه الحياة الكذوب، في هذا الزمان الغادر المخادع الذي نعيش. في وهم السعادة وخيلاء الوجود الذي نتوهمه خلوداً وحلماً طويلاً يمتد في سجاف فلا ينتهي.. لقد صادف يوم طلبك ذكرى محددة  في حياتي. ..ففي مثل هذا اليوم، إتصلت بي زوجتي (أم علي)  فجرا ، وكنت بمكان آخر ، قائلة : (أبو علي اليوم الأطفال علي وليث غبشا ولبسا الكاوبوي   وقعدا ينتظرانك  ، أما تاخذهما معك الى الدوام ..؟) ، والدوام يعني مسرح العمال الذي كنت مسؤولا عنه في مدخل شارع الرشيد. اجبتها بعد تحية الصباح : ( لابأس ..انا قادم..بعد نصف ساعة..) .
 واضاف كأنه يشاهد شريطا سينمائيا :كان ولدي الصغير ليث بعمر خمسة اعوام إلا شهرا وقتها..وكان ذكيا فصيحا ،بحيث كان إن خاطبته أمه مؤنبة، يصيح  بها ( أسكتي إنك مزعجة حقا) ، وكنا نضج بالضحك للهجته تلك..، كان يتكلم بلغتي فيتعلم مني بسرعة..وفي المساء الماضي كان ليث يندس معي في الفراش ليهمس ( بابا.. أنا راح أموت..  وكنت صفعته وقبلته بمودة فقلت..( فأل الله ولا فألك ليوثي ..لك أنت منين إتجيب هالحجي..؟) لكني كنت مهتزا لجملته تلك. 
 ويتوقف ليستطرد ذكرياته : كانت قد حدثت ثلاث وقوعات لليث وهي يلعب، أو وهو واقف  ، كان ينهار مغميا عليه، ويتوقف وقتها القلب عن النبض، فادلكه بيدي، فيعود الدم لوجهه بعد صفار فيفيق تدريجيا. كان ليث يموت..لكنه  يحيا ثانية!!، وقد أفاق من رقدة الموت بيدي مرتين، مرة في البيت، ومرة وهو يلعب فوق خشبة المسرح، وأنا أراقبه ليخر ويقع ميتا تماما..نتيجة ذلك هرعنا به للأطباء ولمستشفى الجملة العصبية، حيث أجروا له بعض الفحوصات،وقال الدكتور سعد الوتري وقتها : (عنده إختلاجات..إذا عبرالستة أشهر المقبلة ..سيعيش طويلا..) لكنه يحتاج للكثيرمن الفحوصات ورسوم الأشعة و سبعة عشر فحصا آخر.
ويمضي في حديثه قائلا : المهم  كنت قلقا متوجسا،وكانت أمه في رعب مستديم..وكان مركز خوفي ينحصر في شئ واحد..أن لا أتلقى يوما هاتفا ما وأنا في عملي..ألا يأتيني فجأة تليفون من أم علي بخصوص الصبي.
 يصمت قليلا ويعاود حديثه ليأخذ قسطا من الالم :  لذا صرت من ذلك اليوم 6/5/1996 حتى هذه اللحظة أجفل من كل هاتف يرن لي أو معي.. بل كرهت كل هاتف يرن.. والآن لدينا في البيت خمسة هواتف نقالة وواحد ثابت..إن رن مرة لا أرفع أيا منها..توجسا مني بخبر فاجع..من أي كان.
وتابع بألم : انه يفزعني. كما أفزعني في ذلك الصباح ،الساعة الثامنة والنصف من 6 / 5 / 1996،حين قال لي احد العاملين معي..( تلفون لك أستاذ..).. حملقت فيه وقد تيبس ريقي : أي تلفون؟ وماذا يريد في هذا الصباح..؟هل هو ليث يلح على مجيئي ؟يا أخي صبرا فأنا آت..، المهم أخذت السماعة من يد الشخص..لأسمع صوت رجل أجشا يقول : ( حضرتك السيد صباح عطوان؟ )  قلت نعم. قال ( شوية ابنك الزغير متخربط  عندنا بمستشفى الكندي  لو تجينا  على وجه السرعة لطفا؟)  هتفت بجزع مباشرة..(أي متخربط..؟قل مات..؟) فليث  في الواقع  لا يتخربط ..بل يتداعى ساقطا ميتا بلاحراك ،متوقف القلب،لمدة دقيقتين او ثلاث لا أكثر، أما أن يطول الأمر ويصل الأمر للمستشفى،  فهذا يعني أن السقوط  قد طال أكثرمن أمده.. أمتطيت سيارتي وأنطلقت كالطلقة في شارع فلسطين نحو مستشفى الكندي، لافاجأ  بالمشهد  المجمد للعروق.. كانت زوجتي تجلس على رصيف داخل المستشفى.. وليث في حضنها بالكاوبوي، وبقميصه المشجـّر، وحذائه الصيفي..ولكن ليثا .. قد مات.