اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 مشاكل الاندماج في المجتمعات الجديدة .. الجالية العراقية في هولندا انسجام ناقص
 صانعو النكتة يموتون كمداً
 أوروبا غنيّة بإنسانها المنتج لا بمواردها
 الحديقة طريق سلس للسعادة
 الحبوبي التمثال الذي افتتح المدينة

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

عالم آخر
 
يوم دعاني مشعان الجبوري للمشاركة بانقلاب ضد صدام حسين!ـ
يوم دعاني مشعان الجبوري للمشاركة بانقلاب ضد صدام حسين!ـ
 
عامر بدر حسون

حصل هذا في العام 1976 في الطريق بين بغداد والبصرة. كنا مجموعة من الصحفيين والفنانين في قطار خاص بثلاث عربات، نقلنا من بغداد الى البصرة لاقامة مؤتمر أو فعالية، لم أعد اذكر بالضبط. وكان عددنا يزيد على المئة اتذكر منهم الفنانة الراحلة زينب والشاعر نبيل ياسين والاعلامي سلام مسافر الذي يعمل في قناة روسيا اليوم والصحفي رياض قاسم والفنان اديب القليجي وعدد غفير من صحافة الحكومة وفنانيها.
كان الطريق طويلا والأحاديث أطول، وعدد البعثيين هو الطاغي، وكنت أنا ممثلا لصحيفة "الفكر الجديد" وكان نبيل ياسين ممثلا لصحيفة "طريق الشعب" والبقية بعثيون الا من رحم ربك. يعني لم يكن ثمة فرصة للشعور بالراحة وسط هذه الخلايا الحزبية اليقظة تجاه كل من يريد بالثورة شرا. 
 في مثل هذه الأجواء تلقيت دعوة من الصحفي الشاب مشعان ركاض ضامن الجبوري لاشاركه في الانقلاب على نظام البعث! ثم انه طلب مني اخبار الحزب الشيوعي واخبار من اثق بهم من الأصدقاء!
وحتى تكتمل الدراما اقول ان عمري كان يومها 26 سنة وكان عمر مشعان 21 سنة! ثم انه كان يعمل صحفيا في جريدة الثورة. اذكر انه كان نحيفا ويميل شعره المسترسل الى الشقرة قليلا، فكان ينزل على جبينه فيعيده بحركة من رأسه أو من يده الى مكانه، وكان في حركة دائمة بين الفاركونات كأنه موكل بها وبمراقبتها.. 
حركة مشعان في القطار كانت تؤكد لي ظنوني بالتراتبية الموجودة في حزب البعث. فالقوي هو البعثي لانه يستند الى سلطة قوية لكن الأقوى منه رجل الأمن الذي هو بعثي ورجل أمن، وكان مشعان بالنسبة لي بعثيا وصحفيا ورجل أمن. بدليل انني لم ألمحه يتملق لرؤساء تحرير صحف بعثية ورؤساء أقسام فيها، وكان مشهد التملق قد انتشر حتى بات مألوفا في الحياة وفي قطارنا ايضا! 
في هذه الأجواء جاءني مشعان ركاض ضامن وهو يلوح لي بالانقلاب، كان القطار متوقفا فمددت رأسي من الشباك وتقدم مني مشعان ورفع رأسه باتجاهي ومن دون مقدمات سألني:
- ما رأيك بالمشاركة في انقلاب على حكم البعث؟!
كان أول رد فعل لي انني استدرت برأسي الى داخل القطار كي أتاكد ان كان احد سمع بـ"العزيمة" التي تمت دعوتي اليها، وعندما اطمأنيت أعدت عليه السؤال، فرد بما لايقبل مجالا للشك ان العزيمة هي على انقلاب! لا حول ولا قوة الا بالله! أتذكر انني وكموقف دفاعي دعوته ان ينظر الي: هل أنا وجه انقلابات؟! فلم يقتنع وقال ان بامكاني أن اخبر أو اقنع الحزب الشيوعي بالمشاركة! فقلت له بانه يستطيع ان يخبر الحزب مباشرة، واعتذرت عن أخبار اصدقائي إذ ليس لدي اصدقاء انقلابيون!
***
غادرت العراق عام 1978، وفي منتصف التسعينات من القرن الماضي التقيت بمشعان الجبوري صدفة في فندق الميريديان بدمشق، فقد كنت في موعد مع السيد صلاح عمر العلي وجاء وجلس معنا. كان قد فقد شعره واصبح عصبيا جدا، فقد كانت المعارضة العراقية قد استقبلته بالاستنكار والشك: بعثي! من جماعة عدي! مخابرات! مرسل لشق المعارضة العراقية والى آخر الكلمات التوصيفية في المعارضة، وكان النظام يفعلها والحق يقال.
لم التق بمشعان في دمشق طيلة تلك الأعوام الا مرتين أو ثلاث، وفي الشام اصدر جريدة وافتتح قناة باسماء متعددة وكان يفتح النار على الجميع: مبادرة منه أو ردا على التحية بأحسن منها! وكان سريع التقلب في المواقف السياسية فكان مرة عنصريا ومرة طائفيا، ومرات من ألد أعداء العنصرية والطائفية! كان ضد صدام حسين بقوة لكنه فجأة يتوقف ليدافع عنه. لا أظن ان اعلاميا (ومشعان الجبوري اعلامي ممتاز ولكن خصوماته لم تدع أحدا يلتفت الى هذا الجانب) اقول لا اظن ان اعلاميا عراقيا قدم خدمة وتبريرا للقاعدة في العراق كما فعل هو من قناته التلفزيونية، ووصل أذاه حد انه كان يعلم الناس كيفية صنع القنابل لتدمير الوضع في العراق، لكنني ايضا لا أعرف اعلاميا أو جهة اعلامية عراقية أو عربية حاربت القاعدة واشتغلت على فضحها وتشريحها وكشف اسرارها كما اشتغل مشعان الجبوري!
***
لم اذكر انقلاب مشعان الجبوري بطرا أو ادعاء بل اردته اعتذارا، ولو متأخرا، منه، هو الذي اختلف معه بالطبع في سياسته وطريقته، لكنني اؤكد هذا الحدث كشهادة تأخرت في تقديمها. فقد كان السيد مشعان الجبوري ذكر أكثر من مرة في برامجه التلفزيونية قصة دعوته لي للانقلاب للرد على من يقولون انه بعثي أو عميل للنظام، وكان يقول انه معارض منذ زمن بعيد ويحيل الآخرين الى سؤالي عن حقيقة تآمره على النظام، ويشهد الله ان ما رواه مشعان الجبوري عن قصة الانقلاب يوم كنت ابن 26 عاما وهو ابن 21 عاما هي قصة صحيحة مئة بالمئة.
قيل لي يومها ويقال الآن انه كان يريد توريطي، الله اعلم، لكن ألم تكن مفاتحته لي بالانقلاب وعدم تبليغي الحكومة عنه سببا كافيا لاعدامي ان كان هذا هدفه؟! لا ينبغي ترك هذا السؤال فهو عندي مقياس للحكم، واتمنى ان أعرف مقياس القارئ في مثل هذه الأمور.. لاعرف كيف نتعامل غدا مع داعشي أو بعثي نقشبندي سلم نفسه والقى سلاحه؟ هل سنخنقه بذكر ماضيه أم نجعل من عودته بابا مفتوحا للاخرين؟ واذا أردنا ان نصطلح فمع من؟ مع اصدقائنا أم مع اعدائنا وخصومنا؟! الصلح يتم دائما مع العدو.. ان كنت لا تريد ان تبقى تراوح في مكانك. 
اخترت ان اكتب هذه السطور اليوم لانها حق لمشعان الجبوري وهي أمانة في عنقي، ولان في استذكارها زعزعة ليقين القارئ بمسلمات مهلكة، عن المصالحة، من شأن اتباعها صبغ مستقبلنا بلون حاضرنا!.