اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 نهار في باريس .. أمام الورد في ذكرى الدم
 كرهت الحساب وأحببت القراءة ومعلمها
 قبل ان يرتوي الشاعر من بيته
 كل مافقدت من كتب حزنت عليها إلا كتاب واحد
 محمد الهجول حكاية السجين السياسي والمحرر التشكيلي

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

اوسع من نافذة
 
مهاجرون ومصائر عمارُ الشابندر وكامل شياع..وثالث!ـ
مهاجرون ومصائر عمارُ الشابندر وكامل شياع..وثالث!ـ
 
عبد الزهرة زكي

مصرع مثقف عائد من مهجره الأوروبي في بلده الذي كان قد غادره قبل عقود هو حال تكرر في دوامة المشهد المأساوي للعنف المتواصل، ومن بين مرّات تكراره تكثفت الصورة عميقة في بعض الحالات التي وقف عندها الرأيُ العام فكان وقوفُه مرتهناً بين العِبرة والعَبرة.
كانت المرة الأولى التي هزت الرأي العام بعنف هي مصرع كامل شياع اغتيالاً باستهداف شخصي.. كان هذا الإستهداف بطبيعته الشخصية تركيزاً لمحنة المثقفين وقد بدت مصائرهم غامضةً. لكن آخر هذه المرات التي يستشهد فيها مثقف مهاجر أو منفي عائد إلى بلده، وهي مصرع الصحفي عمار الشابندر، لم تكن استهدافاً شخصياً. لقد قُتل عمار في مكان عام كان فيه واحداً من عشرات استشهدوا أو جرحوا بجريمة من جرائم الإرهاب التي تنال من الحياة عبر استهدافها الأحياء ومظاهر الحيوية في المدينة المبتلاة. ما يجمع بين الشهيدين كامل شياع وعمار الشابندر ليس هو  صفتَا الاهتمام الثقافي والعودة من الملتجأ الأوروبي حسب وإنما أيضاً إسهامهما، من موقعين وجيلين مختلفين، بجهد مدني صرف ينشغل بصنع مستقبل البلد أكثر من انصرافه للانهماك بحاضرها السياسي. 
كان كامل شياع يريد المشاركة بتهيئة أسباب نهوض الثقافة والحياة الثقافية في العراق بينما سعى عمار الشابندر إلى مهمة السعي من أجل التأسيس لأسباب نهوض الإعلام وتطوير وسائله المختلفة. مهمتان تنظران إلى المستقبل بإرادة واضحة في أهدافها وبعين حالمة بالتهيئة للديمقراطية في ميدانين لا تنهض الديمقراطية من دونهما ولا تقوم إلا بقيامهما وفاعليتهما في الحياة، إنهما ميدانا الثقافة والإعلام. 
خلال سنوات عملي الصحفي ما بعد 2003 تعرفت على عدد ليس بالقليل من الشابات والشبان الذين كانوا يبدون استعداداً طيبا من أجل التقدم في العمل الصحفي ويعبرون عن توفرهم على مهارات جيدة. كان ما يشترك فيه هؤلاء جميعاً هو تخرجهم في معهد صحافة الحرب والسلام عبر مكتبه في بغداد. كان عمار الشابندر مديراً للمعهد حيث استشهد ليس بعيداً كثيراً عنه، فكان المكانَ الأخير الذي حُمل جثمانُه منه إلى وادي السلام
. قبل أسابيع، وفي الطريق من مطار بغداد إلى البيت، كان معي في السيارة حيدر حمزوز، وحيدر واحد من أكفأ شبّان المعهد ومن أكثر الناشطين المدونين حماسةً ولماحية.. كان عمار الشابندر محورَ جانبٍ من حديثنا في أثناء الطريق، وكان كلامُ حيدر يعضّد ما كنت أسمعه من شبان آخرين عن إدارة عمار للمعهد بحرص شديد وباحترافية واصلت مشواراً مهما كان قد بدأ به زميله السابق في الادارة والتأسيس لمكتب بغداد الصديق هيوا عثمان. إنها جهود متميزة بوضوحها وصفائها وسط الضبابية التي عادةً ما تلفّ نشاطات معظمها ظلت وهمية لمنظمات وأشباه منظمات تحمل اسم المجتمع المدني.. نجاح وحيوية هذه الجهود ظلت يؤكدها معظم الصحفيين الذين مروا بالمعهد كمتدربين والذين ظل كثيرهم على صلة وثيقة بهذا المعهد وبمديره الذي يقاربهم في السن حتى استشهاده. مصرع عمار في مساء بغدادي بمكان عام مع آخرين قضوا أو جرحوا وكان بعض منهم من أصدقائه، أعاد إلى الانتباه صورةً كان الشهيد قد وضعها قبل أسابيع على فيسبوك وتضمه وأفراد عائلته الصغيرة في مكان عام ولكن في مساء لندني حيث أنتقل إليها عمار الشابندر مع والده الكاتب المعروف غالب الشابندر منذ سنين في فترة معارضة العائلة لنظام صدام ومغادرتها البلد. كانت هذه الصورة الأسرية السعيدة، عمار والسيدة زوجته وأطفاله في مطعم لندني، هي الصورة الأكثر تداولاً في مواقع التواصل إلى جنب صورة مأساوية عن انفعال العائلة والأقرباء يتقدمهم غالب الشابندر أمام مشهد عمار في بغداد وهو في تابوت لُفَّ بالعلم الوطني. سعادة الأسرة كما تعبر عنها الصورة اللندنية لم تخفف من وطأة تعاسة المشهد في الصورة البغدادية وإنما كانت تزيد من حدة المشاعر وانفعالها إزاء هذا التقابل غير المتكافئ بين حياتين ولحظتين وظرفين مختلفين. واقعاً لم أتوقف كثيراً أمام التساؤل المباشر والأشد سطحية عن معنى وقيمة التنازل عن سلام الحياة في المهجر لصالح المغامرة بالعيش في مكان مهدد.. لا قيمة لهذا التساؤل أمام الخيارات الانسانية التي ركن إليها عمار ومعه آخرون، خيارات العودة ومساعدة بلدهم الأم وشعبهم من أجل الخروج من المحنة.. لكن الصورتين، صورتَي عمار مع أسرته في لندن مرةً وعمار مستشهداً وموشحا بعلم بلده في بغداد مرة أخرى، وضعاني أمام صورتين أخريين افتراضيتين لم يجرِ التفكير فيهما والتطرق إليهما. إنهما صورة لعمار المهاجر العراقي المسلم في لندن وصورة أخرى لمهاجر آخر في لندن هو أيضا عربي ومسلم. جاء عمار إلى لندن ضمن عائلة إسلامية وعاش فيها وقد كبرت فيه مشاعر وأفكار وسلوك العقلانية والاعتدال والانفتاح على قيم العصر والعالم الحديث. المهاجر الآخر هو أيضا جاء إلى لندن مع عائلة إسلامية وعاش فيها إنما ليحيا بانعزال وخوف وكراهية للمحيط الذي التجأ إليه وحماه ووفر له العيش الكريم. تتضخم لدى هذا الخائف المنعزل مشاعر وأفكار وسلوك آخر يعيده إلى الظلام والتشدد والنأي باتجاه كهوف التاريخ. يعود عمار ليشارك في صنع حياة مدنية ديمقراطية في بلده ويستشهد بهذا الخيار فيحاط بتقدير ومحبة شعبه ويظل حيا في الضمير الوطني. يعود المهاجر المسلم الآخر إلى بغداد ولكن ليشارك في صنع قيامة الدم في بلد هو ليس بلده فيموت انتحارياً مجرماً تظل تطارده لعنات الناس والبلاد. صورتان لشابين مختلفين وحياتين مختلفتين ونظامي تفكير وسلوك مختلفين.. إنما هما صورتان لمحنة العقائد بين الاعتدال والتطرف، بين التمسك بالقيمة الانسانية للبشر، كما قدمها عمار الشابندر، وبين العودة بهؤلاء البشر إلى الحياة الوحشية الحيوانية، كما يقدمها متشدد إسلامي انتحاري. الخلاصة المأساوية التي يقدّمها الموت هي في معظم الأحيان أكثر حرارة وأبلغ تعبيراً من تجربة الحياة نفسها.