اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 حديثة : مدينة منسية برغم تضحياتها في مقاومة داعش
 بين ابو الخصيب والفاو أضرحة النخل في اعماق الأنهار الموحشة
 سوق الاستربادي محطة الريفيين الذي اصبح شاهدا تراثيا
 حي العامل هدية عبد الكريم قاسم لعمال السكك
 المحلة التي كانت عاصمة الدنيا باب الشيخ تغيرت كثيراً وأصاب بيوتها الاندثار

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

ذاكرة مكان
 
ابراهيم الرفاعي صوت البلبل في البلاد الغريبة
ابراهيم الرفاعي صوت البلبل في البلاد الغريبة
 
طالب عبد العزيز

 (هنالك من يجلس على النهر صباح ومساء كل يوم، ويعشقه لكنه لا يستطيع كتابة حرف واحد). انا هو، أنا أكتب خواطر كثيرة لأفضي ما بداخلي من هموم. عزيزي طالب: صوّرلي (الجولان) وأريد صورة صريفة ينبعث منها دخان كثيف  في يوم ماطر، أحب المنظر هذا، احب الحطب حين يكون ممطورا، وبالكاد يشتعل، دخان كثير يتصاعد منه قبل ان تلتهمه النار، أريد ان أسمع صوت بلبل في صباح يوم ما. أريد فانوساً أحمله في الليل اتفقد على ضوئه بيت الحيوان... وبأكثر من ذلك يكتب لي صديق بصراوي من اهالي مدينة الفاو يعيش الآن في الشارقة بدولة الامارات. هذا حنين قطع أحشائي والله.
  اكتب هذه القطعة لإبراهيم الرفاعي واستحضر معه غربة كثيرين غادروا مدنهم في الوسط والجنوب، كل منهم له شكواه ونجواه، لكن شكوى اهل الحضر ليست كشكوى أهل الوبر يقول ملاّح سفن هنا، حتى وإن سكنوا المدن الجميلة النظيفة، هنالك بوحٌ خفيٌّ لكل واحد من هؤلاء الذين خرجوا من بصرتهم، من بغدادهم، من أي مدينة كانت لهم الاهل والوطن والرفقة، ومهما تصوّر احدنا الغربة تلك لن يمسك بلحظة واحدة من من انسحاق أرواحهم وما يعانون منه، قد لا أستطيع فهم المعاني العميقة التي في طلب صديقي إبراهيم، وقد يظن البعض بان طلبا من قبيل إرسال صورة صريفة ينبعث الدخان رطبا من فروج سقفها بعد توقف المطر، أو حتى صوت بلبل يقف فرحاً على سعفة خضراء في بستان وسوى ذلك من المشاهد لا يتجاوز في معانيه أبعد من نوستولوجيا تصيب أي مهاجر.  
  لكني أعرف إبراهيم الرفاعي فلاحاً، بصراوياً، خصيبياً لا يمتلك وعياً سياسياً، ولم تنبت في روحه بذرة للطائفية يوماً، وما الرفاعية فيه إلا نسباً يتصل بزين العابدين بن الحسين بن علي بن ابي طالب قبل أن تكون زهداً وتعبّداً ومحبة، لكنه هاجر لأن الرزق شح هناك، في الفاو، هو الذي قال لي: صوّر لي الجولان. أحب الجولان هذا، كان انقطع من ضفاف شط العرب هناك، بسبب الماء المالح، مات النخل والعنب والحياة صارت صعبة وأنت تعرف. بمثل هذه وأكثر يصف صعوبة العيش في مدينة جرّفت الحروب بساتينها، وتشدد البعض من اهلها فصاروا طائفيين، حين تدنّى الوعي المديني لديهم حتى بات الاسم تهمة توجب القتل. ومع ذلك كله وجدتُ انَّ إرسال صورة الجولان واجبُ حكمٍ علي، علني بالصورة هذه اردُّ عن الرجل غربته التي طالت، لا بل التي قد تطول اكثر.
  ولمن لا يعرف(الجولان) بجيم أعجمية نقول هو نوع من الحشائش يشبه البردي إلى حدٍّ ما، كانت تنمو كثيفة جداً على ضفاف شط العرب والأنهر المتفرعة منه، وهو علف رخيص ونافع للأبقار والجواميس، تتخذه الخنازير الوحشية مكامن آمنة لها في شطآن الفاو والسيبة والواصلية وسيحان والقرى تلك، التي تمتد على طول شط العرب البالغ أكثر من 120 كلم في مشهد تتخلله بساتين نخل وغابات عنب وفاكهة غير منحسرة، كان أجدادي وأجداد إبراهيم وغيره من الخصيبيين يضفرونه حبالاً، يشدون بها ما تهالك من أخصاصهم، يربطون به سفنهم خشية أن يسلبها الموج، ينزلون به ما تعاظم من عذوق رطب البرحي والبريم والقنطار وما لذ من التمر، يربطون بها الوحشي من أبقارهم، وبها ينسرحون عميقاً في اللجة، هناك بين ضفتين بعيدتين حيث تتسع شباكهم سمكاً وأخشاباً ونوارس. كان إبراهيم يدرك معاني الحبال تلك.
  بخيال من قصب ونوح يشبه نوح الثكالى من الأبقار والسلاحف والأشجار تناهى الي صوت إبراهيم، الذي التقيته في منزل أثري قديم بالشارقة كانت هيئة الثقافة والآداب في دولة الامارات قد اتخذته مقراً لها، في المنزل ذلك كان إبراهيم يتلمس خشب المقاعد والأرائك والأثاث ومصاريع  الأبواب، يمرر أصابعه على النقوش المنفلتة من عناية النجّار، معترضاً على صف المسامير، حركة المسند، يحرك بحسب مشيئته ما تعامد سقوفاً وتطاول خزائن ومحامل هنا وهناك. ما يريده ابراهيم الرفاعي كان حبلاً طويلاً سأظل أضفره مدى الدهر، لن تنفد وشائجه أبداً، حبلاً يصل البحر بالشط الغريب وحتى إذا بلغت به خياله ذات يوم سيطويه على خصره قافلاً، عائداً على موجة صمّاء الى البصرة.