اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب
 العبودية والاستبداد شباب الامس .. وشباب الجيل
 قصة البئر الأولى للنفط في العراق
 اول امرأة عراقية في هيئة الأمم المتحدة
 من فتاوى الشيخ محمد عبدة عام 1905

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

شبكة الايام
 
كاتب مصري يحلل الشخصية العراقية منتصف القرن الماضي..المازني:في العراقيين رجولة تبعث على الاحترام بل الإجلال
كاتب مصري يحلل الشخصية العراقية منتصف القرن الماضي..المازني:في العراقيين رجولة تبعث على الاحترام بل الإجلال
 
الاستاذ ابراهيم عبد القادر المازني

كل أمة طال عهدها بالحكم الفردي الاستبدادي تجد نفسها مكرهة على النفاق حتى يصبح ذلك وكأنه طبيعة فيها!
سمعت صديقا عراقيا أديبا يقول : « إن العراق لا يقر له قرار, وانه أبدا في قلق وتحفز, وليس من شأن ذلك أن يكفل له اطراد التقدم».
وضحك وقال : « لعلك لم تنس ما قال فيه الحجاج» .
يشير إلى كلمته المشهورة : « يا أهل العراق, يا أهل الشقاق والنفاق والله ...الخ»
فقلت له : « إن ما زعمه الحجاج غير صحيح, ولست احتاج أن اقضي في العراق عمري لأعرف ذلك, فان به من مصر مشابه كثيرة. والحجاج وأمثاله من الطغاة هم الذين يجنون على الأمم, ويورثونها ما تسميه أخلاق الشقاق والنفاق التي تعيبها».
والحقيقة انه لم يظلم العراق أحد كما ظلمه الحجاج بهذه الكلمة. وأي شيء اظلم من أن يصبح العراق متهما بأنه – دون أمم الأرض – بلد النفاق والشقاق ؟ اهو بدع من الخالق؟ أيدخل في عقل عاقل إن تتميز أمة من الأمم وتنفرد بهذه الأخلاق؟
وعندي انه يجب التفريق بين الطباع الأصيلة, والأخلاق المكتسبة, وينبغي أن يسأل الإنسان نفسه: لماذا ينافق المرء؟ وماذا ينزع به إلى الشقاق؟ واحسب إن الجواب انه ينافق لأنه يخاف ولا يطمئن إلى عواقب الصدق والصراحة, ولا يرى انه في أمان من صروف الحذر, فهو يلفى نفسه مضطرا لاتقاء الشر أو اجتلاب الخير إلى المصانعة والتقية.
وكل امرئ في هذه الدنيا يحتاج إلى قدر من المصانعة. لأنه لا يسعه أن يكون صادقا صريحا في كل حال, وما أظن إلا أن الدنيا تفسد, والحياة تعود وهي مما لا يطاق لو كان كل إنسان يظهر ما يبطن, ولا يجري لسانه إلا بما يدور في نفسه. ولكن هذا القدر من المصانعة الذي لا تطيب الحياة إلا به, ولا تستقيم أحوال الناس بغيره, شيء, والنفاق الذي تضطر إليه الأمة شيء أخر, مختلف جدا, فالأول ليس أكثر من وسيلة تصفو بها العلاقات بين الناس من الاكدار. وإما الثاني فآثر من آثار الاستبداد, وكل أمة إذا طال عهدها بالحكم الفردي الاستبدادي تلفي نفسها مكرهة على اصطناع النفاق وتوخيه, حتى يصبح ذلك وكأنه طبيعة فيها أو مما فطرت عليه, وليس الأمر كذلك, فان بضعة أجيال من الحكم الصالح القائم على الحرية وتحري العدالة وايتاء الناس حقوقهم, والمساواة بينهم, تغني الأمة عن ضرورة النفاق.
والنفاق وليد الخوف, ولا خوف في ظل العدل والمساواة والحرية, وقد ابتليت مصر, كما ابتلي العراق, بأدهار طويلة من الحكم الاستبدادي الغاشم, فأورثهما الرغبة في إيثار العافية, وهو ما نسميه النفاق, وما هو إلا مظهر للمحافظة على الذات, أو الدفاع عن النفس, لأنه إذا كان المرء غير أمن على نفسه أو ماله, أو غير واثق من العدل أو غير مطمئن إلى احترام الحقوق, فما حيلته إلا أن يصانع ويداري ويماذق ليحتفظ بمصلحته, أو يجتنب الأذى ويتقي السوء ويأمن الظلم والتعسف؟
والمرء ينزع إلى الشقاق إذا لم يرض عن حاله. ومن ذا الذي يرى العدل قائما, والحرية مكفولة, والحقوق مرعية, وفرص السعي والنجاح في كل ميدان متاحة لذوي المواهب, ثم يذهب يتسخط ويثير الشقاق ويجنح إلى الفتنة ؟ لا احد سوى الذين منوا بالعجز أو أسرفوا في الطمع, واشتطوا في طلب ما ليس لهم بحق, وهؤلاء لا يعتد بهم ولا تأثير لهم.
ومهما يبلغ من عدل المستبد المستأثر بالحكم, فان الأمر فيما يمس الشعب يكون أشبه بالمقامرة, فهو موكول إلى الحظ لا إلى القانون والحق.
ومن هنا قلت لصديقي العراقي: إن الحجاج وأمثاله من الطغاة البغاة هم الذين يحوجون الأمم إلى أخلاق النفاق, ويضطرونها أن تنزع إلى الشقاق. ومن هنا أيضا كانت هذه الأخلاق ضرورية, تزول بزوال دواعيها وبواعثها, أي متى حل العدل محل الظلم, وقامت الشورى مقام الاستبداد, واطمأن الناس إلى حرياتهم العامة والخاصة, ووثقوا من إن حقوقهم في أمان من العدوان.
فإذا كان في العراق أو مصر نفاق – فأنهما سيان- فهذه علته, أو شقاق فداعيه ما أسلفنا عليه القول .
وقد صار العراق – كمصر – دولة حرة مستقلة, ذات دستور وبرلمان, ولكن الأمر لم يستقم بعد, لا هنا ولا هناك, وهو يحتاج إلى زمن غير قصير حتى تستوفي الأمة حظها من التعليم الصالح والتربية الاستقلالية القويمة, وتتدرب على استعمال حقوقها, وتدرك قيمة هذه الحقوق فتحرص عليها, وتظن بها أن يعبث بها عابث, أو يغالطها في حقيقتها مغالط. وحينئذ يحل الأمن محل الخوف, والعلم محل الجهل, فتصبح الثقة والاطمئنان مدار السلوك.
ويقول صديقي العراقي : إن العراق قلق متحفز, فهو لهذا لا يستقر. والظواهر تؤيده, فان الوزارات تقوم وتسقط بسرعة, ولا تكاد تبقى في الحكم زمنا يكفي للقيام بأعمال الإصلاح. وهذا أيضا حال مصر, وكل ما بينهما من فرق إن الجيش في العراق تدخل غير مرة لإسقاط وزارة وإقامة وزارة, وقد سمعت غير واحد من إخواني العراقيين يقول: إن الشعب لا يطيق أن يطول عمر وزارة, فإذا بقيت سنة بدأ يتململ ويضجر, ويظهر السخط ويطلب تغيير الحال.
ولست استغرب هذا أو أرى فيه شذوذا أو خروجا عن حد الصحة في الأمة, فان تعليله سهل, ذلك إن الأمة إذا فازت بالاستقلال بعد معاناة عهد طويل من حكم لم يكن لها فيه رأي أو قول أو شأن, تشتد رغبتها في تعويض ما فاتها وإدراك من سبقها, وعلى قدر تنبهها ويقظتها يكون إلحاح هذه الرغبة وقوتها. فنراها بعد أن تستيقظ نفوسها تأسف على الماضي الذي ضاع وهي في غفلة من جراء الجهل والاستبداد بها, وتحس بحاجة إلى الإسراع في السير لتصل إلى حيث تتطلع, وتبلغ ما تعتقد أنها جديرة به من منازل الكرامة والعزة والرقي, وتقيس حالها إلى حال غيرها, وتوازن بين مرتبتها والمراتب التي ارتقى إليها سواها, فتلفي نفسها متخلفة عن ركب الأمم, فتستعجل, وتستبطئ كل عامل مصلح, مهما بلغ من اجتهاده لها وابتغائه لخيرها, لان كل ما ينجزه من الإصلاح يبدو لها قليلا يسيرا بالقياس إلى ما تنشد, فتتململ, وتتبرم, ولا تحس أنها راضية, لان العمل دون الأمل, ولأنها تنظر بعيونها فترى الأمم الأخرى تغذ السير بل تطير, على حين تحس هي أنها تمشي بخطوات السلحفاة, وقد لا يكون هناك بطء حقيقي, ولكنها تشعر بالبطء وتستثقله, لان أمالها كبار, ونظرتها إلى الهدف البعيد والغاية القصوى, ولا تنسى وهي تتطلع إلى ما تنشد, قلة الوسائل عندها, وتوفرها عند سواها من الأمم التي سبقتها في الميدان, وتغضي عن كونها حديثة عهد بتولي أمورها وان الأمم الأخرى تتولى جميع أمرها بنفسها منذ قرون.
وهذه هي الحال في العراق ومصر على السواء. ومن هنا كان السخط الذي لا ينفك يظهر, والتذمر من بطء السير.
على إن هناك علة أخرى مشتركة, بين مصر والعراق. ذلك إن الأمر في البلدين إلى الأمتين في الظاهر, أما الحقيقة فهي إن الأجنبي لايزال يملك من الأمر كثيرا, ولأصابعه الظاهرة أو الخفية اثر فيما يكون, فالأمر ليس كله إلى الأمة, وان كان هذا هو المفروض, ومهما أخفى الأجنبي أصابعه وسترها فان الأمة لا يخفى عليها إن الأصابع تلعب من وراء الستار, إذا كانت لا تلعب جهرة. ومن الغفلة الشديدة إن يتوهم متوهم – أجنبيا كان أو مواطنا – إن الأمة لا تفطن إلى لعب الأصابع الأجنبية.
ثم إننا لطول عهدنا بالاستبداد – في مصر والعراق على السواء – أصبحنا نميل إلى سوء الظن, وهذا بعض ما يجنيه الاستبداد على الأمم, فنحن لا نصدق إن الأجنبي قد كفت يده عن العبث, وانه نفضها عن شؤوننا كل النفض, وكل عمل نراه نروح نبحث عن اثر الأجنبي فيه, لأننا فقدنا الثقة من زمان طويل بحكامنا, أي من تلك الأيام التي كانوا يتولون فيها أمورنا على الرغم منا, وقد نكون مخطئين في قياس الحاضر على الماضي, بل نحن مخطئون في الأكثر والأغلب, ولكن الإنسان إنسان, وهو لا يستطيع أن يتخلص بسهولة مما ورثه في الماضي الطويل, فله العذر إذا أساء الظن, وليس مما يعين على احسان الظن أن تكون للأجنبي قوة حربية في بلادنا بالغة ما بلغت من الضالة أو قلة الكفاية, ومهما قيل في صفة هذه القوة, وانه ليست لها صبغة الاحتلال, فهي قوة أجنبية, ووجودها معناه ومؤداه التلويح بها للضغط, فلا اطمئنان مع وجودها إلى حرية التصرف, وإمكان إهمالها كأنها ليست هناك.
والعراق ومصر على حق في سوء ظنهما بما يؤدي إليه وجود القوة الأجنبية في البلدين, واعتقادهما أنها من عوائق الرقي, فهي من بواعث الضجر والسخط وعدم الاستقرار.
وفي العراق ما ليس في مصر مثله, مثال ذلك: انه قريب من الاتحاد السوفيتي, وان فيه جماعات غير عربية لا يؤمن أن تستخدمها الدول المجاورة أو المتصلة به للتآمر على كيانه, فهو لهذا في حيرة غير هينة، يكره أن يكون لبريطانيا مركز في بلاده, مهما بلغ من هوان شأنه وقلة خطره, ولكنه من ناحية أخرى يخشى غير بريطانيا, ويحب أن يطمئن, فيلفي نفسه محتاجا إلى عون بريطانيا. ويرى الدسائس الأجنبية تحاك, ولو كان قد بلغ من القوة والبأس ما يتطلع إليه لاطمأن إلى قدرته على القضاء عليها بمفرده،  دون أن يحتاج إلى معين. ثم إن تعداده قليل وهو على قلة عدده لا يزال في بداية النهضة, فماذا يصنع؟ أيعتمد على بريطانيا؟ انه لا ثقة له في قرارة نفسه ببريطانيا, وان كانت ظروفه تحوجه إلى صداقتها, وقلة الثقة مرجعها إلى إن بريطانيا تنتهز الفرص لاستعادة نفوذها القديم، بل سيطرتها السابقة, وإذا لم يحرص على صداقة بريطانيا فكيف يأمن جانب الطامعين فيه وفي موارده الطبيعية وخيراته, وفي مركزه الاستراتيجي؟ وهؤلاء الجيران ماذا تراهم يضمرون له ؟ وهل يسعه أن يكافح روسيا وبريطانيا في آن واحد؟ إن هذه حيرة مزعجة ولا شك, لأنه يريد – بحقّ – أن يستقل بأموره استقلالا تاما, ولكن بريطانيا – في بلاده – وروسيا على مقربة منه (ودع تركيا وإيران) لا تدعان له سبيلا إلى الاطمئنان . أفلا يكون معذورا إذا سخط وصب نقمته على من يستطيع أن يصبها عليه؟ إن عذره واضح.
ولكن في العراقيين رجولة تبعث على الاحترام بل الإجلال. وستنفعهم هذه الرجولة في الخروج من المآزق السياسية التي زجت ظروفهم بها فيها. وأنا على يقين جازم من هذا, لأني عظيم الثقة بهذه الرجولة التي تبينتها فيهم, والتي جاءت الحوادث بالدليل الناهض عليها. وإنها لحسبهم ومتى كانت الرجولة وافية, فان لك أن تثق بان صاحبها لن تنقصه صفة من الصفات الجليلة في مواقف الشدة والحرج.
مجلة الكتاب 1-12-1945