اقرأ في هذا العدد
 
 




نواعم
 
في رحاب المبدعين
في رحاب المبدعين
 
حسن العاني

لا تأتي النجومية من فراغ، بل لابد من توفر شرطين، أو أمرين، الأول: ذاتي.. يرتبط بالمبدع نفسه، بمعنى وجود ابداع حقيقي يؤهل صاحبه لبلوغ النجومية، والثاني: خارجي يتعلق بماكنة الدعاية والاعلام التي تتبنى المبدع وتقف وراء انتشاره، والحقيقة فان هذه الماكنة تتمتع بأهمية استثنائية وغريبة، لأن بمقدورها صناعة نجم من لا شيء.. من فراغ، ولكن هذا النوع من النجومية قصير العمر ولا يلبث طويلاً، ولابد من التأكيد هنا ان المبدع الأصيل أو الحقيقي يمكن ان يحظى بالشهرة والنجومية بعيداً عن تأثير الماكنة، الا ان مثل هذه الخطوة قد تستغرق زمناً طويلاً، وقد تأتي أحياناً بعد فوات الأوان!!
لعل التجربة المصرية مقارنة بالتجربة العراقية مثلاً، تؤكد هذا التلازم بين الشرطين، حيث دأبت وسائل الدعاية والاعلام بشقيها الرسمي والشعبي على ترسيخ نجومية مبدعيها في الذاكرة المصرية والعربية على حد سواء، ومنحتهم الألقاب الرفيعة المستحقة التي رافقت سيرتهم، وتواصلت حتى بعد رحيلهم، ولاشك ان القاباً على غرار (أمير الشعراء) وكوكب الشرق أو موسيقار الأجيال أو العندليب الأسمر أو سيدة الشاشة أو السندريلا أو عميد الأدب العربي.. الخ)، لا تصرف الذهن الى غير احمد شوقي وأم كلثوم وعبد الوهاب وعبد الحليم حافظ وفاتن حمامة وسعاد حسني وطه حسين، وسوى هذه الألقاب فقد اشتغلت الماكنة المصرية بجهد واضح على اعلاء منزلة مبدعيها ومكانتهم (ربما بشيء من المبالغة) في شتى مجالات الابداع!
هنا تكمن الفوارق الشاسعة بين الماكنتين، المصرية والعراقية.. فبقدر ما حققت الأولى من نجاحات مذهلة، وكانت دائمة التواصل والحضور، كانت الثانية غائبة، وفي أحسن الأحوال متواضعة أو خجولة، وإلا يمكن ان نضع خليل شوقي ويوسف العاني وسامي قفطان وسليم البصري ومقداد عبد الرضا و.. و.. وإن لم يكونوا مع نجوم الصف الأول من ممثلي مصر.. ومع ذلك لم نلتفت الى نجومنا، وفاتنا ان نمنح القاباً لعشرات العناوين العراقية التي تستحق الألقاب عن جدارة، ثم نعمل على انتشارها وترسيخها في الذاكرة العراقية والعربية، الا يمثل بدر شاكر السياب في العصر الحديث، العنوان الشعري الأبرز عربياً بعد أن ارتبطت باسمه واحدة من أهم التحولات في حركة الشعر العربي؟ ماذا علقنا من أوسمة والقاب ونياشين على إسماء القبانجي والغزالي وحسين نعمة ومائدة نزهت وعفيفة اسكندر وياس خضر؟ أي صمت يشبه صمت المقابر الحقنا بمصطفى جواد وعبد الجبار عبد الله وطه باقر؟! هل بعثنا الوسائل المطلوبة الى العالم بحق شيخ لا يضاهى من شيوخ النضال والقصيدة الشعبية إسمه مظفر النواب، أو قامة فارعة المنزلة والطول من قامات اللحن اسمها طالب القره غولي.. ومحمد غني حكمة في طريقه الى النسيان.. وقد سبقه الى هذه الطريق خضيري أبو عزيز وفايق حسن ورياض أحمد وعمو بابا وجمولي وزهور حسين و.. و.. وإنني أخشى عليكم مثلما أخشى على نفسي لو أطلقنا العنان لاستذكاراتنا في رحاب الابداع العراقي ومبدعيه، فهي لن تبدأ بجواد سليم وعلي جواد الطاهر ونازك الملائكة، ولن تنتهي بمنير بشير والجواهري وزها حديد.