اقرأ في هذا العدد
 
 




بريد الجنوب
 
صباح صاروخ
صباح صاروخ
 
عواد ناصر

ذُعر عدد من أهالي "العاصمة – خلف السدة" عندما سقطت من السماء قطعة حديد مشتعلة على بيت أحدهم، وهو واحد من بيوت الطين والقصب الأكثر قابلية للاشتعال، لكن لم تقع أية أضرار. لم تكن قطعة الحديد المشتعلة سوى صاروخ صغير أطلقه شاب مولع بصناعة الصواريخ والمتفجرات اسمه صباح بن حسين الخصاف البهادلي، ابن عمي، شق المنشار.
ولأنهم يعرفون بعضهم بعضاً سرعان ما "ألقوا القبض" على الجاني: صباح، ذلك الشاب الذي لم ينه دراسته الإعدادية، فانتشر الخبر بين تلك البيوت ليقع "الجاني" بعد عمليات تسليم وتسلم طويلة في قبضة الحكومة، بل هو الآن في مكتب ضابط كبير في حكومة الزعيم عبدالكريم قاسم، هو رئيس أركان الجيش، آنذاك، أحمد صالح العبدي.
أكرم العبدي ضيفه (الجاني) بمبلغ من المال واقترح عليه تقديم أوراقه لينضم إلى الجيش العراقي برتبة نائب ضابط في معمل تصليح الأسلحة (معسكر الرشيد).. "ولو كنت أنهيت دراستك الإعدادية لقبلناك طالباً في الكلية العسكرية". هذا ما قاله العبدي لرائد الفضاء الشاب.
كان صباح شابا طويلا، وسيما، ذكي العينين، بنابين متراكبين في يمين الصف العلوي من أسنانه، لم ينبت له بعد شارب ولا لحية.
ثمة ألعاب شبه نارية بسيطة كان يعدها بنفسه لتسليتنا، نحن الأطفال، لكن أخطرها كان كرة تلفها خيوط حمر. سألته: ما هذه؟ أجاب وهو منهمك بلف الخيوط وفكها: إنها قنبلة يدوية!!
لم آخذ الأمر على محمل الجد رغم دهشتي المرتبكة، دهشة طفل إزاء قنبلة يدوية.
بعد مرور حوالي أربع سنوات أبلغتني أمي أن أستعد الجمعة المقبلة لزيارة صباح ابن عمي في معسكر الرشيد، سجيناً هذه المرة وليس نائب الضابط الذي كان يعمل هناك.
سألت أمي: لماذا سجنوه؟
أجابت: يقولون إنه أسهم في مقاومة انقلاب عسكري عام 1963 بقنابل يدوية صنعها بنفسه. 
أُطلق سراح صباح عام 1968 بعد أن صار اسمه "صباح صاروخ" لأنه أطلق صاروخا، قبل سجنه، من اختراعه لم يرتفع أكثر من ثلاثمائة متر ليسقط على أحد بيوت الطين في "العاصمة" وقد كُسِرَ ذاك الناب المتراكب جراء التعذيب. 
صرنا أصدقاء حميمين، برغم فارق السن، لأكتشف في الرجل مزيجاً من زوربا اليوناني، ثم "توفيق لام" لاحقاً في رواية "المسرات والأوجاع" لفؤاد التكرلي.
قتل "صباح صاروخ" في حادث دهس منتصف الثمانينات، لكن أبناء أخوته أخبروني عام 2003 بأنه كان حادث اغتيال مدبرا.