اقرأ في هذا العدد
 
 




كلام في الجد
 
سقى الله أيام صناعتنا
سقى الله أيام صناعتنا
 
جواد غلوم

كنا قبل عقود قليلة نبني بيوتنا مما صنعته أيدي عمّالنا ومصانعنا من مواد البناء كالطابوق والاسمنت والبلاط والأخشاب والحديد الذي تنتجه مصانع الحديد والصلب في البصرة، ثم نؤثث بيتنا السعيد بالسجاد العراقي الفاخر والأدوات الكهربائية للتدفئة والتبريد مما تغدقه علينا شركة "عشتار" وكانت اليد العاملة العراقية المبدعة من حرفيي النجارة تؤمن لنا احتياجاتنا من الأسرّة والدواليب والمقاعد حيث كان القطاع الحرفيّ في أوج ازدهاره ونكسي انفسنا وأولادنا من نسيج العراق الذي كان مكتظا بالمصانع المنتجة للملابس والأقمشة الراقية التي كانت تنافس البضاعة الأجنبية في الجودة والأسعار المعتدلة. 
وكلنا يتذكر كيف كانت العائلة العراقية تتغذى مما تجود به مصانعنا العراقية وماتغدقه ارضنا المباركة من الخضار والفاكهة والحبوب وكيف كان الفائض الزراعي يأخذ طريقه الى مصانع التعليب والتصنيع للمواد الغذائية وليس بي حاجة الى التذكير مما كانت تنتجه مصانع تعليب كربلاء من مربيات الفواكه التي كانت تزخر بها حقولنا ومن مصانع ابي غريب للألبان، ولم أنس ماحييت كيف كنا نتندّر ونتساءل؛ أيهما اكثر حلاوة سكّر ميسان المصنوع من القصب أم سكّر الموصل المصنوع من البنجر ؟! ، هل نسينا حينما كنا نطرق أبواب بيوتنا حاملين سلالنا من برتقال ديالى ورمان شهربانها وما ان نطأ العتبة حتى تصدمنا رائحة الرزّ العنبر العراقي العبقة قبل دخولنا باحة البيت وما ان نفتح البرّاد عراقي الصنع "عشتار" نرى كلّ مالذّ وطاب وكلها مما تجود به مرابعنا من خيرات وفيرة. 
اليوم ، للأسف، يبدو ان الصناعة في بلادنا قد غادرتنا الى غير رجعة، فلم نعد نجد في اسواقنا ماكنّا نفخر به من منتجات مطبوع على أغلفتها وفي شرائط واضحة بانها  Made in Iraq) ) وصرنا نستورد البائس من الصناعات من دول جنوب شرق آسيا ومن الجوار ومن نفايات السلع الرديئة ذات المواصفات غير المقبولة مما نسميه "الستوك" والمقلّد من بقايا البضائع التي لاتجد سوقا لها حتى في أقل الشعوب مستوى اقتصاديا مثل بعض بلدان افريقيا وبلدان آسيا الأكثر فقرا. 
بقي ان أحزنكم ولو قليلا فاني قبل أيام اشتريت ماء معلّبا في قناني لحفيدي المولود الجديد (صنع في الكويت) واقتنيت ايضا عسلا للتمر مما نسمّيه " دبساً (صنع في ايران)، بانتظار ان تقولوا لي هنيئا لحفيدك ومريئا لك في عراق يبدو ان صناعته في النزع الأخير.