اقرأ في هذا العدد
 
 




كلام في المتن
 
الايقاع والإعاقة
الايقاع والإعاقة
 
صلاح حسن
amerbhassoun@gmail.com

لا يستطيع السائر في طرقات بغداد ان يرفع رأسه إلى الأعلى لرؤية الأفق والسماء او التمتع بمشاهدة الأشياء البعيدة، لسبب واحد بسيط هو الحواجز التي تسبب الإعاقة بمفهومها السيكولوجي. أي أن الأرصفة المحطمة في كل مكان تجبر المرء على الانتباه الى موطئ القدم، ويكون الوضع أسوأ حين تكون هذه الأرصفة قذرة او مبتلة. لذلك يسير الناس في الشارع وهم يركزون على خطواتهم التي قد تنزلق في اية لحظة.
الحواجز الكونكريتية التي تسد الأفق هي الأخرى لا تدع الناس ترى اي شيء من المدينة، فغالباً ما ترتطم النظرة بالجدار وترتد عمياء الى صاحبها فيفضل النظر الى الأرض لكي لا تنزلق خطوته ويسقط. عندما يكون الرصيف محطماً والأفق مغلقاً، لا يستطيع الإنسان ان يفكر بطريقة تقليدية لأنه ببساطة لا يستطيع ان يرى الأشياء، ومن دون رؤية الأشياء لا يستطيع تكوين الصور الذهنية التي تمكّنه من التفكير.
فكرة الحاجز او الإعاقة هي الحاضرة دائماً في الشارع، وهناك الكثير منها مثل السيطرات والأسلاك الشائكة والشوارع المغلقة والازبال المتروكة على الأرصفة والسيارات العسكرية والأسلحة والجنود الخ... وبين حركة الجسد وحركة الفكر هناك علاقة ديناميكية تنظم إيقاعها وتجعلها متوازنة، لكن الإعاقة التي تكاد تسيطر على الشارع تدمر هذا الإيقاع وتجعله مختلاً على الدوام، وبالتالي لا يمكن المرء أن يتحاشى الاختلال طالما كان يستخدم الشارع.
أما فكرة انفجار سيارة مفخخة فهي من أكثر رموز الإعاقة لأن فيها الكثير من عواملها، كالصوت والنار والدخان والدم، وفي نهاية المطاف الأجساد المحروقة والممزقة. هذه العوامل الإضافية تجعل مفهوم الإعاقة ينتقل من الخارج الى الداخل حينما يتحول السجن المفتوح، وهو هنا المدينة وشوارعها، الى سجن داخلي ضيق يشل الفكر والحركة في وقت واحد.
بطء اتخاذ الإجراءات المترتبة على حادث انفجار السيارة المفخخة يتحول هو الآخر الى إعاقة مضافة، لأن بقايا الحادث ستدفع الناس الى التصرف في شكل شخصي غالباً ما يكون معاقاً لأنه نتاج عقلية معاقة. وبدلاً من إيجاد حلول سريعة معقولة تزداد الفوضى ويصبح الأمر شائكاً ومعقداً بغياب العقل السليم.
يشبه الأمر مستشفى للأمراض العقلية كبيرة مزودة بكل ما من شأنه إثارة الفوضى والجنون في كل مكان، ما يوجب حالة من الاستعداد الخارق لتطويقه والسيطرة عليه بطرق مبتكرة لا تقبل الأخطاء مهما كانت صغيرة. واذا كان هذا يحدث منذ أكثر من عشر سنوات من دون أدنى تغيير او انزعاج من قبل سكان المدينة، فهو يبدو انه تحول الى طريقة حياة مقبولة قد لا يمكن ان تعالج في المستقبل... فهل من حل يا ترى؟