اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 تمثال المتنبي أبداع يشابه الجنون
 رومانسية الحداثة
 ابو نؤاس ونهر المدنية بين البصرة وبغداد
 نصب السعدون : عندما تهاجر التماثيل
 جدارية فائق حسن والسلام المفقود

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

نصب
 
بين عيني شهرزاد السومرية وجسد شهريار النحيل
بين عيني شهرزاد السومرية وجسد شهريار النحيل

ناصر الحجاج/ تصوير: صباح الامارة

 يأخذه شوقه وحنينه لقِصص والدته التي لا تنفد معانيها إلى هناك، فيتسلل آخر الليل ليجلس القرفصاء مسنداً ظهره إلى قاعدة تمثال شهريار، منصتاً إلى ما تقوله شهرزاد، فثمة معان لا ينتهي الحديث عنها حتى في ألف ليلة وليلة، هكذا وجد النحات محمد غني حكمت مأسورا بتلك العقدة السحرية التي حوتها علاقة شهريار بشهرزاد،  علاقة الذكر بالأنثى، علاقة الزوج بالزوجة، حتى علاقة الحاكم بالمحكوم، علاقة الراعي بالرعية، بل علاقة الإنسان بالإنسان ..
كيف يمكن أن أجعل من الآخر مستمعاً جيداً، قارئا جيداً لما أقول، لأفكاري، لمشاعري، مبصرا من أنا من خلال لغتي؟  
وظف الفنان محمد غني ثقافته وإبداعه الفني ليصوغ أسطورة ألف ليلة وليلة تاركا كل الشخصيات التي حوتها قصصها، قاصداً سبب ألف ليلة وليلة، حيث "شهريار" الملك الجبار المريض بالانتقام من النساء الخؤونات، وحيث شهرزاد المرأة الحكيمة التي جعلت من "الكلام" جسراً نحو الخلاص "والاستشفاء" قبل سيغموند فرويد. 
ولهذا صور حكمة شهريار بكامل أناقة الملوك، واسترخائهم على أرائكهم، لكنه استرخاء التلاميذ على مقاعد دراستهم، فيما عينا شهرزاد "السومرية" تحدق لا في جسد شهريار النحيل، وقوامها الخفيف ووجهها "السومري" الحزين، بل في فكرتها، في روايتها، في مداليل كلامها، لهذا كان فم شهريار مفتوحا، بدهشة المتعلم المتعلق المصغي، وفي الاصغاء التدبر، وفي التدبر سر الكلمة. 
لم تحاول قصص ألف ليلة وليلة تغيير الصورة النمطية عن المرأة "الثرثارة" كثيرة الكلام، فشهرزاد ما تزال تحكي، وتحكي، لشهور وسنوات متواصلة ولكن حديثها كان نوعا من السحر الحلال، إنها الحكمة التي تغير نمط حياتنا، وهو ما استطاع حكمت تحويله من قصة اسطورية إلى تمثال عراقي بملامح سومرية شرقية ينبض بالحياة في كل صباح. إذ جمع تمثال "شهرزاد وشهريار" بين عدة مدارس فنية حديثة، لكنه استلهم في الوجه ملامح التماثيل السومرية خاصة في شكل العيون، والتي تشير سعتها وعمقها إلى حدة الرؤية والحكمة، ثم أتقن النحات المزج بين حركة شهرزاد الراوية (Narrator) أو القاصة (Story Teller) التي تقرأ للتلاميذ قصصا مدهشاً، وسكون شهريار في إصغائه ودهشته، حتى ليكاد المشاهد يسمع تلك القِصص، فتشده المرأة لا إلى جسدها ومفاتنها، بل إلى روحها، وعقلها وكل جمالها الداخلي ومدهش عبقريتها وسحر شخصيتها. 
إنه التحدي الأكبر، في الفنون والعلوم، أن تجعل من الآخر منصتاً مصغيا، متأملا لما تقول، قارئا لما تكتب، أو ترسم، وأكثره تحديا وجرأة، أن ينطلق من الوادعين صوت للحكمة يخرج الملوك والجبابرة من شرفاتهم الذهبية إلى بساطة الأرض ليصغوا ويدركوا أن الخيانة هي ألا تسمع لمن هم أدنى منك.