اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 نهار في باريس .. أمام الورد في ذكرى الدم
 كرهت الحساب وأحببت القراءة ومعلمها
 قبل ان يرتوي الشاعر من بيته
 كل مافقدت من كتب حزنت عليها إلا كتاب واحد
 محمد الهجول حكاية السجين السياسي والمحرر التشكيلي

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

اوسع من نافذة
 
الفيتوري..انمحى الصوت وبقى الإسم
الفيتوري..انمحى الصوت وبقى الإسم
 
عبد الزهرة زكي

تعرفت للمرة الأولى على اسم الفيتوري من خلال قصيدته الأشهر (من أغاني أفريقيا)
ربما اندفع الفيتوري في الجانب الخطابي من شعره إلى الحد الذي أوهن صلته بالتحديث وبجهوده ومراميه

توفي قبل أيام الشاعر السوداني محمد مفتاح الفيتوري.
والفيتوري من جيل من الشعراء العرب أعقب وجاور جيلَ الرواد ولم يتبق من كبار ذلك الجيل سوى اثنين أو ثلاثة، تمنياتنا لهم بموفور العافية وكريم العيش.
إنه جيل عُني بتحديث الشعر العربي، والفيتوري من بين كثيرين في هذا الجيل ممن ظلوا يراوحون ما بين رغبة التحديث وما بين الارتداد إلى الشعر التقليدي الذي استسلم الفيتوري له مؤخرا حتى وهو يكتب شعر تفعيلة لا يتقيد بنظام الشطرين.
لا تنحصر الحداثة الشعرية بمجرد تحقيق التحرر من عروض الشعر الخليلي. الحداثة رؤية وموقف وإجراء بحيث كانت التطورات التي رافقت وأعقبت لحظة التحديث الأربعينية أكبر حلماً وأشد طموحاً وأوسع أفقاً من مجرد الحدود التي تضيق بعمود الشعر، لكن الراحل الفيتوري اختزل تلك المطامح واكتفى منها بالبقاء حريصاً دائماً على التعبير عن أغراض سياسية واجتماعية بدت متضاربة أحيانا باختلاف السنوات وباتت تشكل الهوية الأبرز التي استمتع بها الفيتوري واستمتع جمهور من جماهير الشعر العربي بالفيتوري من خلالها.
في الدراسة الثانوية، في السبعينات، تعرفت للمرة الأولى على اسم الفيتوري من خلال قصيدته الأشهر (من أغاني أفريقيا) التي حفظنا أبياتاً منها بموجب الفرض الدراسي. كانت قصيدة متميزة بتدفقها الايقاعي الذي ينساب من غنائية بحر الرمل وبحماستها الثورية وعاطفتها الأفريقية، وهي قصيدة غريبة، من حيث طبيعة موضوعها، على طلبة لم يتعرفوا بعد على التمييز العنصري الذي تدينه.. وهذه عوامل كانت تساعد في ترسيخ القصيدة في بال قارئها وتسهّل على الطلبة حفظها.
كانت تلك ليست هي المرة الأولى للتعرف على الفيتوري حسب، فمن خلال قصيدة الفيتوري تعرّف الطلبة للمرة الأولى أيضاً على شعر من البلد العربي (السودان)، وهي مفارقة بالنسبة لطالب عراقي، لم يكن قد اعتاد على أن يقرأ شعراً عربياً من خارج العراق وبلاد الشام ومصر. قصيدة الفيتوري التي فتحت النافذة على شعر السودانيين انطوت على مفارقة أخرى تثير الانتباه، فهذا الشاعر يقدّم بقصيدته (من أغاني أفريقيا) انشغالاً شعريا غير مألوف، لم يكن يتحدث عما اعتدناه في الشعر العربي من قضايا قومية تقليدية، لقد كنا أمام قصيدة يتحدث فيها شاعرها عن مشاعر افريقية وعن إدانة لاضطهاد عنصري لم نكن نعرف عنه الكثير.
هكذا تكرس جانب أساس من (قيمة) وجود الفيتوري في ساحة الشعر العربي المحتدم في تلك السنوات، إنه الشاعر العربي الذي يتحدث عن هوية أفريقية لم يتحدث بمثلها سابق له في ما أعرف. وهو شاعر يريد أن يضع مساحة في الشعر الحديث للشعر الخطابي الذي قامت الحداثة بالضد منه.
الشعر الحديث لم يكن بعيداً تماماً عن السياسة وعن استخدام الشعر لها، فقد تهيأ لهذا عدد من شعراء قدموا تجارب ناضجة وبعضها كبرى في تأريخ الحداثة الشعرية، لكن السياسة تظل تستدعي الخطابة في تقاليد الشعر العربي وتتطلب من شاعرها التفكير بالجمهور والاستجابة لمتطلباته. شعر السياسة وحين تكون غرضيته ملحة ومتقدمة على أي حافز شعري آخر فإنه لا يتردد في الزهد بكثير من اعتبارات الشعر التي لا يتساهل فيها شاعر حديث آخر غير معني بذلك الإلحاح وتلك الغرضية، هكذا استسلم الفيتوري للتعبيرية المباشرة الزاهدة بأي فن، ولهذا ربما اندفع الفيتوري في الجانب الخطابي من شعره إلى الحد الذي أوهن صلته بالتحديث وبجهوده ومراميه كما عبّر عنها عملياً رواد الشعر الحديث وبعض من مجايلي الفيتوري بعد أولئك الرواد.. 
قابلَ هذا الزهد الذي أبداه الفيتوري وتساهله بالتزامات التحديث زهدٌ نقدي موازٍ أقصت بموجبه الحياة الشعرية العربية الحديثة الفيتوري وشعره من دائرة اهتمامها النقدي. وفي ما يبدو لم يشغل هذا النفي جانبا من اهتمام الشاعر السوداني ولم يتوقف عنده فيما كان  يغذّ السير نحو المنبر.
بهذه الحدود كانت مشاركات الفيتوري المتأخرة في مرابد ما قبل 2003. فقد كان يراد للفيتوري فيها أن يكون نجم افتتاح، اعتمادا على رصيد الإسم ومع اتجاه نجوم أكثر بريقاً من شاعر السودان الطيب وسعيهم بعيداً عن منصة المربد التي أملقتها التسعينات وإلى حيث كانت الأعطيات أوفر وأغزر، لكن بين خطابيات العمود العراقي بشيوخه وشبانه تضاءل صوت الفيتوري ووهن حتى انمحى الصوت وبقي الإسم.
لا أحسب أن الحال كان يختلف في مهرجانات أخرى غير عراقية.. المهرجانات العربية تضع أجندة الخطابات بموجب أيديولوجيا المنظِّم ومتطلبات ظرفه قبل أن تنشغل بطبيعة الشعر وبنوعه وقيمته وحتى بكرامته التي كثيراً ما أهدرت.
تنقل الفيتوري بين تلك المهرجانات ذات الصفة الحكومية وقد تخفف كثيراً ليس من أعباء التحديث ومسؤولياته وإنما حتى الانشغال بمتطلبات الموقف. لقد بعدت المسافة بين البدايات التي كرسته مع مجايليه السودانيين، ولعل أبرزهم الراحل جيلي عبدالرحمن، وبين النهايات التي وجد الشاعر نفسه في مواجهتها.
مع دكتاتورية الرئيس السوداني محمد جعفر النميري، وفيما اختار شاعر مثل جيلي عبدالرحمن التنقل بين جامعات عدد من الدول العربية للعيش بكرامة وللنأي عن تلك الدكتاتورية قبل أن يموت في القاهرة، فإن محمد مفتاح الفيتوري ذهب في خيار آخر استبدل بموجبه دكتاتوراً سودانيا بدكتاتور آخر ليبي حين انتقل إلى ليبيا القذافي واكتسب جنسيتها بعد إقامته فيها، وربما كان لهذا الاضطرار أو الإختيار أثره في طبيعة اهتمامات الفيتوري الشاعر وفي تفريطه ببدايات كان يمكن لها أن تؤسس لملمح ليس قليل الأهمية في شعر العرب في القرن العشرين.