اقرأ في هذا العدد
 
 




نواعم
 
جبّة السيد النائب!ـ
جبّة السيد النائب!ـ
 
حسن العاني

مضت قرابة خمسين سنة على دخولي بلاط صاحبة الجلالة، وقد أتاح لي هذا الزمن الطويل فرصةَ عريضة للتعامل مع شتى فنون الكتابة الصحفية، وربما نجحت في هذا الجانب وفشلت في ذاك، أو ربما كنت هنا أفضل مني هناك، وهذا أمر طبيعي، ولكنني بصورة عامة وجدت نفسي أكثر ميلاً وارتياحاً لكتابة تحقيقات أو استطلاعات صحفية عن المدن العراقية، لأن هذا النوع من العمل بالغ الصعوبة، وجماله يكمن في صعوبته، فأنْ تكتبَ عن مدينة البصرة مثلاً أو هيت أو الكوفة أو الموصل، يقتضي ايجاد توليفة ذكية تجمع النظرة الانطباعية والتحقيق الميداني والمعلومة التأريخية والجغرافية والسياحية والاجتماعية، بلغة الاشارة مرة والتفصيل مرة أخرى.. زيادة على متعة السفر والتنقل والوقوف المباشر على طبيعة المدن، ومن إنصاف الحقيقة الاعتراف الشخصي، بأنني لولا تلك الجولات ما الذي كان يدفعني لشد الرحال الى المهناوية مثلاً أو سنجار أو نقرة السلمان أو المشخاب أو الصينية؟!
لعلها (150) مدينة أو يزيد هي التي توليت تغطيتها في معظم المحافظات العراقية، موثقة بالصور والمقابلات، وكان ذلك في النصف الثاني من تسعينات القرن الماضي، ومازالت ذاكرتي برغم المدة الزمنية الطويلة نسبياً، تحتفظ بالكثير من المعالم والمشاهد والشخصيات والمواقف، ولا أدري لماذا لم يغادر ذهني ذلك الوقت من أوقات الضحى في يوم تموزي يتباهى بحرارته، كنت أقطع طريقاً أقرب ما تكون الى مجموعة غابات متداخلة من البساتين عند منطقة في حدود (اليوسفية) إذا لم تخذلني الذاكرة، وكان معي في المركبة، السائق والمصور وأحد الزملاء لا يحضرني إسمه، ولا أدري ان كنا في بداية جولتنا الصحفية أم إنتهينا منها، ولكن المهم إن بستاناً استوقفني بحكم مساحته الواسعة، وبحكم تنظيمه وسياجه وبوابته، بحيث بدا أقرب الى مشهد قصر باذخ منه الى مشهد بستان، وأبديت حينها ملاحظة هامشية، تمنيت فيها لو إن البساتين الأخرى تخلصت من بواباتها المهشمة وأسيجتها الطينية، وقبل أن أنتهي من ملاحظتي قال لي زميل الجولة [ليس جميع الناس لديهم إمكانية السيد النائب!]، ولأن المقصود بالنائب يومها هو (عزة الدوري)، فقد لزم كلانا الصمت حذراً ورعباً، ولم أولِ كلامه كبير اهتمام، ففي تركيبتي شيء من نقاوة البدوي وسذاجة القروي، وأتعامل مع ما أرى، ولا أتعبُ رأسي في البحث عما يختبئ وراء الأكمة، ولهذا كنت أنظر الى (عزة) على إنه رجل الدين والتكية والزهد والتصوف، وليس بينه وبين البساتين والقصور والأموال صلة وصل – خاصة وإنه ينحدر من أسرة عمالية فقيرة الحال- وإن المعارضة تفتري عليه وتحاول اسقاطه سياسياً كونه رمزاً كبيراً من رموز السلطة، مع إنه بالنسبة لي ساقط طالما هو في خدمة العقل الصدّامي، وهكذا أغفلت ملاحظة زميلي ونسيتها، ولكن المصادفة الغريبة جاءت بعد بضع سنوات حين ذهبت الى (الدور) للكتابة عن هذه المدينة، والتقيتُ قائممقام القضاء، وكان معي صديقان من أبناء القضاء، وتحدث القائممقام فيما تحدث عن مشروع إروائي مهم من مشاريع الدولة، نهض بالواقع الزراعي للمدينة، ولاحظت ان الصديقين قد تبادلا نظرة مشفوعة بابتسامة لم أفهم دافعها الا بعد الانتهاء من الحوار، حيث أوضحا الي ونحن نغادر مبنى القائممقامية، ان هذا المشروع استغله عزة لمزرعته وحرم المدينة من خدماته.. عندها فقط تذكرت حكاية البستان، وأدركت ان السيد النائب يخفي وراء جبّةِ الورع والتقوى، أموال اليتامى والمساكين والناس والدولة!