اقرأ في هذا العدد
 
 




شرق وغرب
 
صندوق العائلة الاسرائيلي
صندوق العائلة الاسرائيلي
 

احمد سعداوي

من المفارقات أنك صرت تواجه أفراد عائلتك على صفحات الفيسبوك أكثر مما تواجههم في الواقع. حتى لو كنت تسكن معهم في بيت واحد. صارت وسائل التواصل الاجتماعي نوعاً من "غرفة استقبال" كبيرة يجتمع فيها أفراد العائلة بغض النظر عن موقعهم الجغرافي.
في غرفة الاستقبال الكبيرة هذه نشر خالي الأصغر الشاعر رحيم صحن قبل أيام صورة لصندوق قديم، عليه تأريخ صنع يعود الى العام 1941. وكنت رأيت هذا الصندوق في بيت جدي في طفولتي، وكانت الجدة تستخدمه في حفظ أغراضها. كان الصندوق يتنقل من مكان الى آخر، صدئاً وعتيقاً ولكنه صالح للاستعمالات المتعددة، وأظنه في نهاية المطاف صار في حوزة خالي الأصغر لحفظ كتبه المدرسية خلال عقد السبعينات.
الصندوق العسكري، وحسب رواية العائلة، كان من حيازات الجد النائب عريف صحن بايع، خلال الحرب العربية الاسرائيلية في 1948. كان الضابط العراقي يتحدى الجنود للاقتراب من السواتر الاسرائيلية، فتطوع جدي لجلب شيء من العدو، وفعلاً استحوذ على الصندوق العسكري من خيمة اسرائيلية، ربطه بقدمه وعاد زحفاً، واستحق الجد المجازف مكافأة على شجاعته.
وكان من الممكن أن تكون هذه ذكرى مشعّة، لولا أن العرب، والعراقيون من ضمنهم، خسروا هذه الحرب بفضيحة مدوية، فتحالف الدول العربية كلها لم تستطع القضاء على دولة صغيرة ما زالت في طور الولادة. وكانت تلك الهزيمة، التي تمر ذكراها هذه الأيام، عنواناً شاملاً لكل الهزائم العربية اللاحقة على مدى عقدين أو أكثر.
أتأمل في النصر الشخصي الذي حققه الجد الجندي، إزاء صورة الهزيمة الشاملة، واستذكر رحلة هذا الجندي في شتى الحروب العربية والعراقية حتى تقاعده، ويقر في يقيني اننا على المستوى الفردي لا نجارى في شجاعتنا، والأمثلة كثيرة على ذلك، وآخرها ما يسطره أبطالنا من الجيش والحشد الشعبي من بسالة وإقدام ضد داعش الظلامية. ولكن القادة هم من يخذلنا، ان كانوا قادة الميدان، او القادة السياسيين.
وحتى لا نستسلم لروح الهزيمة، علينا دائماً أن نتذكر الشجاعات الفردية، ونضعها في بؤرة الضوء، ونتذكر روحنا الإيجابية القادرة على أحداث التغيير، حتى لو علا الصدأ هذه الروح تآكلها الزمن، كما في صندوق الجد العتيق.