اقرأ في هذا العدد
 
 




كلام في المتن
 
عن الصاكة والبطة والحديقة
عن الصاكة والبطة والحديقة
 

صلاح حسن
amerbhassoun@gmail.com

لا تأتي الطبقة الحاكمة بعاداتها وتقاليدها فحسب، بل تأتي بلغتها ولهجتها وألقابها أيضًا، وتفرضها على المجتمع بمرور الوقت حتى يصبح الشارع صدى لهذه الطبقات. 
قبل 2003 كان الحاكم البدوي قد حول الشارع العراقي إلى ثكنة عسكرية ترطن بمفردات الصحراء والسلاح؛ ترجمة محكمة لهذه المفردات التي تحولت الى قاموس للمواطن البغدادي المسكين. الآن نشهد انفصالا بين الذات ووعيها بهويتها، أو بعلاقتها مع محيطها، كما نشهد اضطرابًا في توظيف الزمان والمكان في الوعي المعاصر؛ لم ينجح، ولن ينجح، في بناء إستراتيجية لترميم الوعي للذات المنكفئة. لغة اللاوعي- عندما يتعلق الأمر بالمرأة مثلا – تنتج تعبيرات لا واعية هي تثمير جارح وهذياني، وقيمة تبخيسية يراد منها تسفيل المرأة. تسمع اليوم في الشارع العراقي، مفردات مُرَحَّلة من القرية الى المدينة.. يقال للمرأة الجميلة «صاكة» وهي مفردة عامية تطلق على الأشياء المسبوكة جيدا. يقال أيضا  «بطة» لتسفيل هذه المرأة الجميلة الى أقصى حد ممكن بتحويلها الى مجرد طير. يتكاثر ما هو جسدي في التعبيرات اللاواعية المحكومة بما هو رمزي وتخييلي وبأولويات  الدفاع واللغة والتراث وباللسان والايديولوجيا. لكن هذه اللغة اللاواعية هي، في الوقت نفسه، اجتماعية ونفسية وإنسانية " مفهوم الهوية " .
في زمن النظام المباد كانت هناك بعض التعابير التي يستخدمها الناس للسخرية من بعض الممارسات القمعية وهي اقرب الى الفنتازيا أو السجع الفارغ لكن النظام القمعي كان يبحث دائما عن تفسير لهذه التعابير ويقوم بتعذيب الكثير من مستخدميها بلا طائل " أكلب شيشة " مثلا التي كان يستخدمها الكثير من العراقيين في تلك الفترة كانت تخيف ذلك النظام لأنها عبارة مبهمة بالنسبة له ويخشى أن تكون وسيلة للسخرية منه.
لا يزال التلقيب سائدًا في الأوساط الشعبية، ولا سيما في الأرياف، حيث يمثل الأولويات الدفاعية، التعويض، التكوين العكسي، الإبدال أو التضخيم. فاللقب حصن وهرب من المرارة والمأساة، حيث تمنح السلطة اللغوية هنا للكلمة «اللقب». لا يملك الفرد الباحث عن الألقاب صورة إيجابية عن الذات، لأن الرضا عن النفس هو مكون أساس للصحة النفسية والاجتماعية، والتوازن والشعور بالجدارة، أو الأمن " رسوخ الهوية "، لذلك يأتي اللقب للتغلب على المعايير غير الموضوعية في ذات الفرد والجماعة. العلاج العرفاني والثقة بالجماعة لا يأتي بإرادة للشفاء.
مفردة "حديقة " لمن لا يعرف دلالتها اليوم في الشارع العراقي يظن لأول وهلة انها تطلق على شخص له رائحة الوردة وجمالها لكنها تعني اليوم الشخص البائس (أو العاطل عن العمل) . 
ولا يسلم الرجل/ الذكر في الشارع العراقي من هذه اللغة اللاواعية فهو «مصكوك» أيضا!! لكن هذه المفردة العامية لا تعني أنه جميل مثلما يطلق على المرأة؟! انها تعني هنا «مقتول» و«مغلف» اي ملفوف وفي طريقه الى الدفن. 
خلال السنوات العشر الماضية، وربما قبل هذا الوقت أيضًا، انقلبت اللغة العراقية على نفسها أكثر من مرة، لكنها دائما تقع على الجهة الخطأ بحيث لم يعد مهمًا المعنى الذي ترمز اليه المسميات الجديدة. أصحاب الثروات السريعة أسهموا، من دون أن يعرفوا، بابتكار لغة جديدة غير واعية. لهذا السبب ربما لم يعد الحوار ممكنًا بين العراقيين. " تشظي الهوية "