اقرأ في هذا العدد
 
 




أما بعد
 
صدق أو لا تصدق!ـ
صدق أو لا تصدق!ـ
 

عامر بدر حسون
amerbhassoun@gmail.com

أصارح القارئ بانه لن يجد حلا للمشكلة التي نحن فيها!
دع عنك لقب المفكر والباحث الاستراتيجي والخبير والى ما هنالك من صفات شائعة في الاعلام، كل هؤلاء يتساوون مع بائع اللبلبي، المحترم، على ناصية الشارع: لا احد منهم يعرف حلا للمشكلة.
ثقافتنا العربية أصلا، والعراقية بشكل خاص، ماهرة في الهرب من عملية البحث عن حل، وكل بلاغتها تتركز في محاولة وصف المشكلة، وليتنا فعلنا هذا بشكل صحيح! 
يبكي الطفل فتقول العمة ان عين جارتنا الزرقاء اصابته، فترد الخالة بان الجارة الأخرى منفرجة الأسنان هي التي اصابته بالعين، ولان هذه الجارة صديقة للعمة فيما تلك الأخرى صديقة للخالة، يرتفع النقاش ويتحول الى معركة تقدم فيها الوقائع التي تثبت صحة الاتهامات، فيما الطفل يبكي الى ان يضيق الجد بصوته فيصرخ بالأم كي تأتي وتأخذ طفلها بعيدا كي يناقشوا علاجه اللازم في جو مناسب!
اذا لم يكن لديك أطفال فجرب شيئا آخر، جرب مثلا ان تسأل عما ينبغي فعله للخلاص من داعش واسمع العجب:
اخي داعش لعبة امريكية! فيرد الثاني بيقين بل هي ايرانية! ويأتي صوت من هناك بل هي اسرائيلية.. قطرية.. سعودية! ويرتفع الصوت ويختلف الجميع وتنتهي السهرة المنزلية أو التلفزيونية على أمل مواصلة بحثها في اليوم التالي، فيما تكون داعش مشغولة بفتح المزيد من الجراح في جسدنا النازف!
إذا ازعجك مثال داعش لانك تظنها كما قيل آنفا، فجرب ان تسأل عن العملية السياسية كي تقضي على ماتبقى لك من عقل.. ستسمع أولا انها ولدت عرجاء، وثانيا انها لعبة امريكية، وثالث يصرخ بالصوت العالي: المشكلة يا جماعة تكمن في ميكروب اسمه المحاصصة! وتجد من يثني عليه وعلى براعته في معرفة المشكلة.
يندر، واقول تحوطا يندر، ان تجد من ينظر للامر من زاوية مختلفة في تشغيل العقل، أو ان يقدم فكرة جديدة، فكل الحديث والبراعة محصور في تقليب المشكلة، حتى لتبدو المشكلة التي نزعم المعاناة منها وكأنها عاهة نستخدمها للتسول واستدرار الشفقة، تماما كما يفعل المتسول عندما يبرز عاهته لتنوب عنه في التكلم عن سوء حاله.
وحتى لا أقع فيما حذرت منه اقول، وعلى سبيل المثال فقط: ان مشكلة المحاصصة في الحكم، في ايامنا هذه، ليست مشكلة وانما هي الحل الوحيد بين ايدينا. بديل المحاصصة حكم قائمة انتخابية واحدة، وبالعربي الفصيح حكم طائفة واحدة فيما الطائفة الثانية ستبقى محكومة. وفي النهاية سيتساءل أبناء الطائفة المحكومة عن جدوى ذهابهم لصندوق الانتخابات وعن مشاركتهم في العملية السياسية، وبالعربي الأكثر فصاحة سيبقى الشيعة يحكمون وسيبقى السنة محكومين الى ما شاء الله. هل هذا حل أم كارثة؟! الطفل ما زال يبكي!
نعم هذا حل من الناحية النظرية لو كان الأمر بين حزبين في بلد اخر: الجمهوري والديمقراطي في امريكا مثلا، لكن والناس في العراق تذهب، غالبا، للانتخابات لاسباب طائفية، فما الذي تتوقعه منهم حين تطبق "الحل النظري" على أرض الواقع؟ ستكون هناك اشياء تشبه داعش كل يوم. 
اذا سمعت من يقول ان المحاصصة في أيامنا هذه هي مشكلة فتأكد انه يبحث عن مشكلة وليس عن حل، ناهيك عن انه غشيم في السياسة وفي فهم الواقع! واذا وجدت من يقول لك ان داعش اسرائيلية وان القضاء عليها يتطلب القضاء على اسرائيل اولا، فتأكد انه داعشي يريد ان يلتقط انفاسه، ويريدنا ان نتبع طريقة صدام في القضاء على اسرائيل تحت شعار: طريق القدس يمر عبر طهران أو الكويت! وهو ما عشناه سنوات عجاف بالحياة وغنية بالموت والتخلف.
الطفل ما زال يبكي وأمه في الطريق الى الطبيب، علّه يفهم المشكلة فيعالجه ويوصي بتحويل اصحاب الآراء الأخرى الى الشماعية!
وصدق أو لاتصدق.. هذه هي حالتنا!