اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 مشاكل الاندماج في المجتمعات الجديدة .. الجالية العراقية في هولندا انسجام ناقص
 صانعو النكتة يموتون كمداً
 أوروبا غنيّة بإنسانها المنتج لا بمواردها
 يوم دعاني مشعان الجبوري للمشاركة بانقلاب ضد صدام حسين!ـ
 الحديقة طريق سلس للسعادة

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

عالم آخر
 
الحبوبي التمثال الذي افتتح المدينة
الحبوبي التمثال الذي افتتح المدينة
 
ناصر الحجاج

حين كان مركز المدينة لا يتسع إلا لشارع واحد، شارع لم يسمَّ بعد، لكنه كان شارعاً يتيماً ومحظوظاً. فهناك في مركز مدينة الناصرية، منطقة كانت في ستينات القرن العشرين تدعى «العضاعضة» قرر مؤرخ ناصري يعشق مدينته يدعى شاكر الغرباوي أن يخلد رمزاً عراقياً جمع المجد من أطرافه، شاعرا عذبا، وعالما فذاً، وإنسانا مفعماً بالحرية، رجلاً وطنياً انتقل من رهافة الشعر ورصانة الدرس الديني ليحمل سيفه مقاوماً ضد قوات أجنبية جاءت تحتل بلاده، التي طالما تغنى بحبه لها. 
الغرباوي الذي آمن بحتمية التأريخ، والناصري الذي فهم السنن الكونية فكر بعمل فني تبدأ به المدينة ملامحها الجديدة فراح يبحث عن فنان يحمل روح مجتمع الناصرية في تمجيد الشعر والفروسية والفقه فوقع الاختيار على عبد الرضا كشيّش ليصنع نصبا للراحل السيد محمد سعيد الحبوبي، وحيث لم يكن كشيش شاعرا، ولم يكن بالتأكيد فارساً، ولا كان فقيها مجدداً، فقد بذل جهده في «قراءة أشعار الحبوبي ليوظفها في التمثال» كما يعبر في لقاء معه. كان التحدي الفني كبيرا إذ لم تكن لدى كشيش فكرة عن الموضوع، وهذه هي المرة الأولى التي سينحت فيها تمثالا بهذا الحجم، أما التحدي الوجودي فكان أكبر: حين تتسع الرؤية فيقصر الإزميل. 
خرج التمثال للعلن بارتفاع أربعة أمتار ونصف المتر بعد فترة طويلة من العمل داخل مرسم صغير في مدرسة ابتدائية، كان النحات عبد الرضا كشيش معلما فيها، وأزيح الستار عن التمثال ليصبح الحبوبي اسما للشارع بأكمله، لكنه جاء نسخة أكثر خجلا، وأقل رشاقة من تمثال الفراهيدي في البصرة الذي نفذه النحات نداء كاظم. 
ولأن التمثال يأخذ طاقته من طاقة مبدعه، يمكن للقارئ أن يلمس بساطة شخصية النحات، بل وخوفه وحيرته وارتباكه، أحاسيس تجسدت في تمثال رجل قائم ببرود ودعة على عكاز طويل يحمل لفافة من الورق بيده اليسرى، بسلام أو استسلام يشبه صورة شيخ من شيوخ قرية «المومنين» في سوق الشيوخ. 
لو كان للتماثيل أن تختار مثاليها لخلت أن الحبوبي سيختار أوغست رودان صاحب تمثال (الشاعر، أو المفكر Le Penseur) في باريس، أو لعله سيختار تلك الحركة المعقدة لتمثال نداء الوطن الأم (The Mamayev Monument) في ساحة ستالينغراد (فولغوغراد)، حيث السيف باليد اليمنى ونداء الشعر في حنجرته الصادحة أو إيماءاته الجنوبية باليد اليسرى. 
هكذا بدأت الناصرية بالحبوبي لأنها مدينة تعشق الشعر، والحرية، والعلم، وبدأت باسمه شوارع المدينة، لأنها تعرف أن امتزاج الشعر بالحرية وحب الوطن يصنع روح المدنية، ويؤسس لطرق أخرى تحمل أسماء الوطنيين، وتخلد ذكر من شاركوا في صنع اسم العراق.