اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 زكي مبارك..عاشق العترة الشريفة
 حياءُ الخيل وعشقُ الفواخت
 الإمام الحسين خطبها لذريح.. مجنون لُبنى الكعبيًّة
 ساحر الأميرات باغانيني.. معجزة العزف على الكمان
 ابن ميادة.. صريع أم جُحْدر

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

مقامات الحب
 
قيس بن الملوّح..مجنون ليلى
قيس بن الملوّح..مجنون ليلى
 
جمعة اللامي
 
وكم قائل قد قال: تُبْ، فعصيتهُ
وتلك توبة - لعمري - لا أتوبها
فيا نفسُ صبراً لست والله فاعلمي
بأول نفس غاب عنها حبيبها
 
(قيس بن ذريح)
 
يقولون: إن أول شاعر عربي في الحب والعشق ليس قيس بن الملوّح، أو (مجنون ليلى). وانما هو: عمرو بن مناة الخزاعي، لقوله في ليلى بنت عُيينة الخزاعية:
أرى العهد من ليلى حديثاً ونائيا
هو النأْي، لا ينأى الحبيب لياليا
هو النأي لا أن تشحط الدار مرة
ولكنّ نأي الدهر أن لا تلاقيا
بل إن عدداً من المتقولين، أنكروا وجود (مجنون ليلى)، وقالوا إنه شخصية مخترعة، لكن شعره الرائع في ليلى، ابنة عمه، كان وسيبقى من درر أعذب الشعر العربي وأكثر مدعاة للنبل، وهو ما جعل المهتمين من غير العرب، ينتبهون الى تلك القصة الغرامية التي تجاوزت شهرتها الآفاق.
بدأ حبّ ليلى وقيس، منذ صغرهما، وصار فضاء من الأخلاق والأدب والفن والنبل، بعدما كبرا، ثم تحول الى قصة حب انسانية اخترقت الجغرافيا العربية، بعد أن طاف قيس بلدان جزيرة العرب والعراق والجوار، هائماً في ليلى التي أحبها منذ كان طفلاً وكانت هي صبية:
تعلقتُ ليلى وهي ذات ذؤابةٍ
ولم يبدُ للأتراب من ثديها حجمُ
صغيرين نرعى البهمَ. يا ليت اننا
إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهمُ
فلمّا اشتدّ هواهما، وطفق الناس عند الحضر والبدو يتحدثون في أمرهما، تقدم قيس إلى عمه خاطباً ابنته، إلا أن الرجل رفض تحقيق أمنية قيس، بل إنه غالى في رفضه وتشدده، وقال إن هذه الزيجة لن تتم أبداً، فساح قيس في الوديان والقفار، يقول في ليلى ما لم يقله قبله في ليلى الخزاعية إلا صاحبها عمرو بن مناة الخزاعي:
تكاد يدي تندى إذا ما لمستها
وينبتُ في أطرافها الورق الخضر
ُوكانت ليلى العامرية، جميلة، فصيحة، وعريقة النسب أيضاً، وهذه أسباب اضافية في تدله قيس بها. ولقد سألته اعرابيات ذات يوم عن هذا الذي أعجبه في ليلى، فقال كما تروي كتب سيرته: (كل شيء رأيته وشاهدته وسمعته منها أعجبني. والله، ما رأيتُ شيئاً منها قط، إلا كان في قلبي حسناً وبقلبي عَلِقاً، ولقد جهدتُ أن يُقبح منها عندي شيء، أو يسمج، أو يُعاب، لأسلو عنها، فلم أجده).
وهو الذي وصفها بقوله:
بيضاءُ خالصة البياض كأنها
قمر توسط جُنح ليلٍ مُبردِ
موسومة بالحسنِ ذات حواسدٍ
إن الجمال مظنة للحسدِ
خُودٌ إذا كثر الكلامُ تعوذت
بحمى الحياءِ وإن تكلمُ تقصدِ
فهي - إذن - جميلة المحاسن الجسمانية والنفسية والأخلاقية، وكذلك شاعرة تقول في ابن عمها ما يطيّب فؤاده ويبرد جوى لواعجه عندما يستثار في حبها. تقول:
كلانا يظهرُ للناس بغضاً
وكل عند صاحبهِ مكينُ
تبلّغنا العيون بما أردنا
وفي القلبين ثمّ هوى دفينُ
واسرار الملاحظ ليس تُخفى
إذا نطقت بما تُخفي العيونُ
ولهذا، ولغيره أيضاً، جُن قيس بليلى، حتى لقبه الناس: (مجنون ليلى)، بعدما سموه قبلاً: (قيس ليلى). وهناك من يقول إن قيساً هو الذي اختار لقبه الأخير:
ما بالُ قلبك، يا مجنون، قد خُلعا
في حبّ منْ لا ترى في نيله طمعا
الحبُّ والودُّ نيطا بالفؤاد لها
فأصبحا في فؤادي ثابتين معا
وهكذا صار مجنون ليلى، مجنون الزمان، وقلده كثير من العاشقين، وامتدت سيرته وقصة حبه إلى أيامنا هذه، وهي التي ابتدأت بعد سنة (68)هجرية بقليل، حتى صارت موئلا يحج إليه الكتاب والشعراء الباحثون من بلاد الفرنجة والسودان والصُفر، ويتداولها شعراء اوروبا بعد القرون المظلمة، إلى جانب (الف ليلة وليلة) وغيرها من كتب السيرة العربية.
ولا تصدف كتاباً قديماً أو حديثاً في الحب العربي، إلا تجده متوجا بقصة حب »مجنون ليلى«، ومن ابدع من اقتفى أثر قيس، الفرنسي: لويس اراجون، في كتابه: (مجنون الزا) ذائع الصيت، الذي يكاد ان يكون طبعة فرنسية، لقصة حب عربية.
وهنا (الفائدة الأولى) في هذا المجال، لأنها تقدم لغير العرب، رقة العربي، وعفته، وشهامته، ومروءته، وإيثاره، فهو يرى في ستر محبوبته خيراً عميماً لنفسه على الرغم من مرارة البعد، وهو يتكتم على هواه لمعشوقته، لئلا يتخذه المبغضون والحاسدون سبباً في الاساءة إلى طرفي العلاقة. بل إن هؤلاء رأوا في قصة (مجنون ليلى) آخر ما ابدعته العاطفة الانسانية الشريفة، من الإيثار والتضحية المتقصدة، كما يشير إلى ذلك الفرنسي: شاتو بريان.
وميدان اختبار تضحية قيس، كان زواج ليلى من: وردٍ الثقفي، على غير رغبة منها، كما هو معروف. فكان قيس يتنفس حب صاحبته كما يتنفس الهواء، أو يقول شعراً يعرفه الغادون والراجعون، بأنه رسالة قلب إلى قلب:
كأنّ القلبَ ليلة يُغدى
بليلى العامرية أو يُراحُ
قُطاة عزها شَرَكٌ فباتتْ
تجاذبه، وقد علق الجناح
لقد وقع قلبه في الشرك، مثل طير قاده حظه العاثر إلى هذا المصير، فلا يملك إلا تحريك جناحه، علّه يجد من يساعده على الطيران مرة  أخرى، ليبحث عن معشوقته الأزلية، التي يفتكرها حتى وهو قائم للصلوات:
يميناً إذا كانت يميناً وإن تكنْ
شمالاً ينازعني الهوا عن شماليا
هي السحرُ، إلا ان السحرَ رُقْيةٌ
واني لا ألفي لها الدهر راقيا
أراني إذا صليت، يممت نحوها
بوجهي، وإن كان المصلى ورائيا
وما بي إشراك ولكن حبها
كعود الشجا أعيا الطبيب المداويا
حاشى لله، ان يكون الفتى العربي مشركاً، لكنه الوجد يفيض به، فيقول كلاماً لا يقوله إلا أئمة المحبة والعرفان..

مصرع خاص
ألقيتُ بقلبي،
 بين ورقتين في دفترك المدرسي،
وهربت منكِ إليك
يا سيدة النخل والرازقي
يا أميرة قلبي،
قلبي الذي ذاب في قلبك