اقرأ في هذا العدد
 
 




نواعم
 
أم المصائب!ـ
أم المصائب!ـ
 
حسن العاني

في معظم اسواقنا الشعبية التي تنتشر بالمئات على كرخ بغداد ورصافتها، هناك أمر لافت للنظر ويكاد يكون ظاهرة، فقد قام مخططو المدن والأحياء السكنية، بترك ارصفة تفصل بين الشارع وبين الدكاكين والمحال، قد يصل عرضها في بعض الأحيان الى عشرة أمتار أو يزيد، ومثل هذه المسافة مبالغ فيها، ولكن اللجان التخطيطية اخذت بالحسبان على مايبدو راحة المواطن، وذلك بتوفير فسحة كافية له كي يتحرك بحرية وانسيابية، ومن دون التعرض الى مضايقات الزحام ولغاويه ومشكلاته! 
الى سنوات غير قليلة، كانت أمور الأرصفة قد تكيفت على هذه الصورة وجرت على هذا المنوال، عريضة.. واسعة.. وتسمح لصاحب الدكان أو المحل ان يعرض بضاعته بأرفع ذوق وأجمل ديكور، وتسمح قبل ذلك لرواد السوق ان ينتقلوا على هواهم من مكان الى آخر، الا ان جملة ظروف مر بها البلد، خاصة بعد 2003، في مقدمتها الوضع الاقتصادي أو (المعاشي) أدت الى حدوث تغييرات جوهرية في شكل الرصيف ووظيفته، وقد بدأ التغيير الأول بأستقباله لاصحاب (بسطات) متواضعة هنا وهناك، لم تلبث في زمن قياسي ان تحولت الى بسطات كبيرة وعربات من شتى الأنواع والحجوم، ومع ذلك لم يكن هذا المظهر الجديد سوى خطوة على طريق ارحب، أو رحبه كما يقول أهل اللغة، ذلك لان الرصيف بطوله وعرضه، شهد قيام مئات الدكاكين المتجاورة ذات البناء الثابت على الأرض، متخذة من الاعمدة الحديدية والحديد المشبك والبلوك و(الجوادر) مواد رئيسة للبناء، وبات لكل دكان أو محل سقف وباب، مقابل هذا المشهد المبتكر الذي فرضته ضرورات مرحلة معينة، اختفت واجهات المحال والدكاكين (الاصلية) وزينتها وديكورها، مثلما زحف البناء الجديد على الرصيف فلم يبق من أمتاره الثمانية أو التسعة أو العشرة، غير متر واحد يقطعه رواد السوق، رجالهم ونساؤهم بشق الأنفس، أو غالبا ما يهربون منه -وهو المخصص لهم- الى الشارع! 
لابأس الأمر يمكن أن يحتمل، لانه الضرورة فرضته كما سبق القول، ولكن الحالة مؤقتة، الا أن الناس تتساءل: لماذا يقوم أصحاب الدكاكين الجديدة، وقد انتقلت دعواهم الى اصحاب المحال القديمة، برمي أوراق الخس والتالف من الفواكه والطماطم والباذنجان والخضراوات وأحشاء السمك والكارتونات الورقية وعلب الصمون واغلفة المصابيح وبقايا الأطعمة و.. و.. في كل مكان وكيفما اتفق، حتى امتلأت الشوارع الرئيسة ومنافذ الأرصفة وممراتها باطنان النفايات والروائح الكريهة والمشاهد المقززة، أين الصعوبة، بل أين الخسارة لو قام كل بائع بوضع حاوية صغيرة أمام دكانه او محله، وأين الصعوبة بل اين الخسارة لو تم اعتماد اكياس النفايات المصنوعة من النايلون واسعارها أكثر من زهيدة (كل 20 كيساً بالف دينار)، علما بان سيارات أمانة بغداد تمر على هذه الأسواق بمعدل مرة أو مرتين في اليوم، وعند توفر الحاويات الصغيرة أو الأكياس تبقى السوق نظيفة والشوارع والأرصفة و.. و.. البيئة! 
بالطبع لا يمكن أن اغفل أم المصائب، فالكثير من نزلاء الأرصفة حجزوا لهم مساحة واسعة وراحوا يؤجرونها لغيرهم، وكأن هذه الأراضي إرث ورثوه عن أسرهم، أو مكرمة من مكرمات القائد.. المواطنة ياسيدي المواطن ليست نشيداً أو خطابا حماسية او تصفيقاً للعلم أو قصيدة تتغنى بحب العراق، بل هي مسؤولية تجاه البيت والأبناء والشارع والمجتمع وممتلكات الدولة.. والمسؤولية ياسيدي -بقدر عظمتها- ابسط مما تظن!