اقرأ في هذا العدد
 
 




على ضفاف الذاكرة
 
حسابات الحقل وحسابات البيدر
حسابات الحقل وحسابات البيدر
 
عبد عون الروضان

يخطيء الكثير من الناس في إصدار نتائج يتوقعونها لكثير من الأمور طبقا لحسابات معينة وافتراضات موهومة، ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى حدوث خلل كبير في التقدير تترتب عليه إجراءات غير دقيقة .
   إن حسابات الحقل تختلف بكثير من الأحوال عن حسابات البيدر، فالحقل معرض لكثير من الاحتمالات والمفاجآت التي يجب ان تؤخذ بنظر الاعتبار فخضرته الزاهية الجميلة وكثافته ليستا دليلا قاطعا على وفرة إنتاجه فهناك الآفات الزراعية التي قد يصاب بها المحصول وهناك الكوارث الطبيعية كالفيضانات والأعاصير والحرائق وغزو الجراد والقوارض التي قد يتعرض لها، كل هذه الأمور تؤدي من دون شك إلى اختلال ميزان الحسابات والنتائج بشكل كبير جدا.
   كثيرة هي الحالات التي كان الفلاحون والمزارعون ينظرون فيها إلى حقولهم بعين الرضا وهم يتوقعون محصولا غزيرا يعوضهم عن خسارة العام الماضي، فظاهر الأمر يدل على ذلك ولم يكن في حسبانهم قط ما تخبئه الأيام من مفاجآت مدمرة، فقد تغير الجو فجأة وهبت ريح عاصفة وتساقط المطر مدرارا ليتحول إلى سيول جارفة اكتسحت في طريقها تعب سنة زراعية كاملة.
   وينتقل سوء التقدير لحسابات البيدر وفق حسابات الحقل إلى السياسة وهنا يكون خطره أكبر وتأثيره أعم وأشمل حيث أنه يجر في كثير من الأحيان إلى ويلات ومآسٍ كثيرة لان الأمر هنا يشمل مساحة كبيرة ومهمة من الواقع.
   إن كثيرا من المراهنات التي تعقد على الساحة السياسية قد تتخذ من معادلة الحقل والبيدر أساسا لها لوضع الستراتيجية المناسبة للأمور، لذا فنحن نلمس بوضوح ذلك الخلل الفاضح في التقدير لكثير من المسائل السياسية الملحة على الساحة العربية والشرق أوسطية بشكل خاص .
عالمنا اليوم الذي تتشابك فيه المصالح وتتقاطع بشكل حاد ورهيب هو عالم زاخر بالمفاجآت ويخفي وراءه الكثير الكثير من الأمور التي قد لا تخطر على بال الكثيرين، فهو عالم الأوراق المخلوطة والمناورات العلنية والسرية التي يتم فيها كل شيء بسرعة مذهلة حيث تنعدم الثوابت وتظل المتغيرات هي سيدة الموقف، الأمر الذي لا يسمح أبدا بإجراء حسابات البيدر وفق حسابات الحقل. 
لقد راهن الكثير من الحاقدين والمتصيدين في الماء العكر الذين يلهثون وراء مكاسب ومنافع شخصية على نتائج الحرب الدائرة الآن بين زمر داعش ومن يقف وراءها من قوى إقليمية ودولية وبين القوى الوطنية من الجيش والبيشمركة التي تقاتل بحزم يسندها الحشد الشعبي والعشائر وغيرها. لقد راهن أولئك الحاقدون  طبقا لحسابات خاطئة وافتراضات موهومة على نتائج الحرب ثم أعطوا توقعات تكاد تكون جازمة من وجهات نظرهم عن نهاية هذه الحرب وما قد يتمخض عنها من نتائج موهومة ثم بنوا حساباتهم القادمة طبقا لتلك النتائج المفترضة التي بنيت على أسس مفترضة أيضا.
لقد توقع الكثيرون وأصروا على أن العراق سيهزم خلال أيام أو أسابيع من الحرب وبنوا هذا التوقع على ما كانت تتمخض عنه الحروب العربية المتعددة ضد الكيان  الصهيوني وحين ظهر لهم خطأ حساباتهم راهنوا على جملة أوهام تعج بها مخيلتهم وقد نسي أولئك المراهنون أو تناسوا وجود قوة فاعلة في الحرب هي الشعب العراقي من العرب والكرد والتركمان والأيزيديين والكلدو آشوريين والصابئة المندائيين الذين يقفون  بشموخ وإباء وصلابة لدحر الغرباء وتحرير ما دنسوا من تراب الوطن العراق هذا الشعب الذي يدافع بإيمان مطلق واستعداد عال للتضحية من أجل الوطن العراق المبجل.
   ان إسقاط عنصر الشعب باعتباره قوة فاعلة في الحرب الدفاعية يدل على غباء سياسي مطلق وقصر نظر فظيع يقود إلى الهاوية، والحرب التي بدأت نتائجها تلوح في الأفق متمثلة بانهيار القوى الظلامية وتراجع مدها الذي استمر لبعض الوقت حيث تحررت الكثير من المناطق التي طردت كل القوى المعتدية وهذا خير دليل على سوء تقدير الحاقدين وضعفهم في (الحساب) وقصورهم الفاضح على استشراف المستقبل بروح علمية دقيقة .
   لقد سقطت إذن حسابات الحقل والبيدر تماما فتقديرات البيدر وفقا للحقل جاءت مخيبة لآمال الكثيرين الذين راهنوا عليها إذ كانت البيادر حطاما لا تسمن ولا تغني عن جوع.