اقرأ في هذا العدد
 
 




تحت سماء لندن
 
تراجيديا "سبايكر".. النحيب وحده لا يكفي!ـ
تراجيديا
 
سميرة التميمي

هل نحن حقا شعب زاهد بما بين يديه وغير مكترث برموزه الوطنية التي جعلت من العراق عراقاً صامداً يقف في وجه هجمات الشرق والغرب الطامع بأرضه ومائه وتأريخه و.. نفطاته! أو بعبارة أخرى هل نحن  شعب جاحد ينكر فضل شهدائه وعلمائه وفنانيه ومفكريه وقادة مجتمعه ممن جعلوا من هذا البلد خارطةً راسخةً على الأرض، واسماً لا يمكن أن يتجاوزه مؤرخ أو مستشرق أو باحث؟  وإذا لم نكن كذلك فلم إذن هذا التجاهل لرموزنا الوطنية في الحرب والسلام؟ ولم هذا الإصرار على عدم الإحتفاء بهم بالنصب والتماثيل والمتاحف أسوة بما تفعل دول العالم؟  
وإذا استمر الحال على ما هو عليه وبقينا مصرين على هذا التجاهل, ما الذي سنتركه للأجيال القادمة؟ وأية قدوة وأي رمز وأية ذاكرة سنورثها لهم؟ ولماذا تقيم لندن مثلاً مئات التماثيل والنصب لرموزها في حين يخفت بريق رموزنا ويطويهم النسيان؟ هل ان "تشرشل" و"شارلي شابلن" و"الدب بادنغتون" والشخصية الخيالية "شارليوك هولمز" أهم من شهيدِ عراقي يحتضن إرهابيا ملغوماً  ويفتدي الناس بروحه؟  وهل ان "غاندي" الذي ينتصب له تمثالان في لندن أهم من قادة ثورة العشرين الذين واجهوا المدافع بالعصي؟ ولماذا تحتفي لندن بوجوه وأسماء  جنودها الذين شاركوا في كل حروب الإمبراطورية البريطانية والحربين العالميتين الأولى والثانية، ولا نكترث نحن بمئات الألوف ممن سقطوا على أرض العراق وتحت رايته؟.
أين ذاكرة بلدنا ؟ أين تمثال أول وزيرة في العراق والوطن العربي؟  وأول طبيبة وأول امرأة ناضلت من أجل الدخول إلى الجامعة لتفتح الطريق لملايين البنات بعدها؟ اين تماثيل الفلاسفة والعلماء والفنانين والأدباء وأصحاب المدارس الفكرية والدينية والقادة السياسيين وأبطال الثورات الشعبية الذين عاشوا وابدعوا في هذا البلد وحولوا بغداد إلى عاصمة للدنيا في يوم من الأيام؟ ولماذا تبحث دول (الكونكريت والحديد والعمالة الآسيوية) بالأبرة عن رمزِ حتى لو كان وهمياً كي تحتفي به في حين ندير ظهورنا نحن لرموز مدننا التي تتنفس التأريخ وتحمل مجداً لا تحمله مدينة وتحتضن في كل  شبرِ حكاية ورواية وعبرة, وفي كل زاوية مرقداً لفيلسوف أو ولي أو مفكر؟ 
ولو تركنا الماضي وتحدثنا عن الحاضر, وسألنا مسؤولينا وهم يفتحون المقابر الجماعية لشهداء سبايكر مقبرة بعد أخرى.. ما خططكم؟ كيف ستمجدون وتحتفون وتكرمون هؤلاء الشباب الحلوين الذين كانوا في يوم ما ضاجين بالشباب والحب والحماس والكرم والنبل؟ وهل تكفي الإدانة والبكاء والنحيب؟  وهل نعتمد على ذاكرة الأم والأخ والزوجة للحفاظ على ذكراهم ؟  وماذا بعد خمسين أو مائة سنة؟ هل ستخلد قصصهم حكايا البيبيات وروايات القصخون؟ وماذا ننتظر كي نعلن عن مسابقة لتصميم نصب تذكاري يخلد هذه الواقعة التي يشيب من هولها الولدان؟ هل فكر أحدهم في رفع الدكة الملطخة بدم الشهداء لتكون قاعدة للنصب وتنقش عليها  أسماء كل الضحايا إسما إسما وبالعربية والإنكليزية مع نبذة تروي ما حدث  لتكون لنا وللأجيال القادمة درساً وعبرة؟ وإذا كان ثمة من يظن بأن الوقت ما يزال مبكراً للحديث عن نصبِ لشهداء سبايكر, فاني اذّكره بشهداء طريق الموت الذي ابتلع آلآف الشباب العراقيين المنسحبين من الكويت في عام 1991 ممن طوت حكاياتهم  رمال الصحراء وأخذت الريح أسماءهم بعيداً وجرفت الطبيعة أي أثر لمقابرهم الجماعية التي حفرتها لهم القوات الأمريكية  بالتراكتورات في واحدةِ من أبشع جرائم العصر التي سكتَ عنها العالم ..وسكتنا عنها نحن أيضاً !!