اقرأ في هذا العدد
 
 




أما بعد
 
احزاب لا يملأ عينها الا التراب!ـ
احزاب لا يملأ عينها الا التراب!ـ
 
عامر بدر حسون

وقف رب العمل وهو يحث عماله على الشغل والكفاح في الحياة، قدم لهم سيرته الذاتية كمثال للكفاح في الحياة وما يمكن ان يحصلوا عليه. قال لهم: لقد عملت حمالا، واشتغلت في البناء وغسلت الصحون في المطاعم مقابل أكل بطني، لكنني بقيت اناضل ولم ايأس من النهاية السعيدة، وقد جاءت عندما مات عمي الثري وكنت الوريث.. الوحيد له!
هي نكتة.. لكنها تنطبق على حياتنا في العراق حرفيا. فالشعب العراقي جرب، طيلة 35 عاما، كل الوسائل والاساليب لاسقاط نظام حكم البعث. لا اظن ان شعبا احترف ابناؤه النضال والجهاد والكفاح كما فعل العراقيون، كانت لديهم احزاب سرية مناضلة من كل صنف ولون: علمانية ودينية، شيوعية وقومية، بل وحتى بعثية كما هو الحال مع البعث الموالي لسورية، وكان هناك عمل سياسي دؤوب وعمل عسكري متواصل والاف من العراقيين ضحوا بحياتهم وجربوا اسلوب "المؤامرة" والمحاولات الانقلابية والمواجهة وجها لوجه لكن ذلك لم ينجح، فصدام جاثم كالكابوس وشعاره: لن تاخذوها الا ارضا من تراب. ورغم ذلك لم يياس المناضل والمجاهد والمكافح والحالم من محاولة الوصول الى نهاية سعيدة.
وذات يوم سمعنا ان امريكا، ومعها تحالف دولي طويل عريض، تريد اسقاط صدام فانقسمنا على الورق وفي الخطابة. هذا يقول: نحن لها ولن نسمح لاميركا ان تاتي وتسرق جهدنا! واخر يقول: نريد ان نعرف اولا: ما الثمن الذي تريده امريكا لاسقاط النظام؟ ومرت السنوات ونحن نناقش ونعترض، فيما خيرة الشباب يواصلون عملهم في غسل الصحون واعمال البناء وما يخطر في البال من اشغال.
وفجاة فعلتها امريكا! اين صدام؟ ماهي الا شهور حتى وجدوه في الحفرة! وما هي الا اسابيع حتى كان يجيب عن سؤال بسيط: ما هو اسمك؟! واعتقد ان ضرب السياط كان اهون على صدام من سؤاله: ما اسمك؟ لكنه اجاب وانتهى تلك النهاية التي اختلفت الاحزاب عليها ايضا: نوع القضية.. حكم الاعدام .. تاريخ تنفيذه والخ. هي عادة عراقية ولن تجد لعادات العراقيين تبديلا.
المهم مات العم الثري ولم يرفض اي حزب حصته من الميراث.. الكل أخذها وفق القسام الشرعي "بول بريمير"! وكما يحصل معنا دائما، بقيت اصوات من قبضوا حصتهم من الميراث تصرخ: لقد اسقطوه حتى لا نصل اليه قبلهم! لقد اعدموه سريعا كي لا يكشف اسرارهم.. واتفق الجميع، في النهاية، على ان قصة صدام لفلفت ليأخذ اسراره معه، والحقيقة ان لا اسرار اكثر مما هو معروف، فقد تحالف مع الملائكة والشياطين لتثبيت حكمه، وما بقي مجهولا مجرد تفاصيل.. تفاصيل صغيرة.
ثم انقسم العراقيون: شيعي وسني، من جماعة النظام او من جماعة الخارج، وحملوا السلاح واتهموا بعضهم بالعمالة لهذا الطرف او ذاك، واستعادوا في قتالهم التاريخ القديم والاقدم، وصار المواطن العراقي البسيط او العادي، يعني الذي لم يكن جلادا ولم يكن ضحية (او لم يكن يعرف انه جلاد او انه ضحية) يتساءل بسذاجة:
ترى كيف سيكون حال العراق لو ان الاكراد هم من اسقطوا النظام؟ حرب عنصرية! وكيف سيكون حالنا لو ان الشيعة هم من اسقطوا النظام؟ حرب طائفية! كيف سيكون حالنا لو ان السنة هم من اسقط صدام؟ استئثار بالسلطة والقول انها سلطتنا و"بيتنا ونلعب بيه"! ستكون هناك اذن حروب طائفية وقومية ومن كل الانواع. لكننا مررنا بها رغم ان الامريكان هم من اسقطوه!
 يريد المواطن العادي ان يحلها بطريقته في قبول الواقع والقول "الخير فيما اختاره الله" لكنه لا يستطيع ان يطمئن لهذا، فكل الاحتمالات البديلة لاسقاط صدام من قبل الامريكان ومن تحالف معهم قد تحققت على ارض الواقع.
يتذكر المواطن نكتة عن صدام يوم احتفل بـ"النصر العظيم" بعد هزيمته في الكويت عام 1991 فتساءل المواطن: نحن منتصرون وهذا حالنا إذن كيف حال الامريكان المهزومين؟
الخلاصة ان النكتة تبهت عندما تصل الى عراق اليوم، خصوصا عندما تجد ان المعترضين، على ما آلت اليه ثروة العم، هم أول من تسلم حصته منها!
هل تكون احزابنا مثل ابن ادم "لايملأ عينه الا التراب"؟!