اقرأ في هذا العدد
 
 




سوالف
 
علَم دولة المَحنّة
علَم دولة المَحنّة
 
شريف سعود

عباءة لامراة، لاأعرف عنها شيئا، لكنها لم تفارق ذاكرتي يوما طوال 24 سنة مضت.
أواخر آذار 1991، وبعد فشل الانتفاضة، هربنا جنوبا حيث صحراء (تل اللحم) المكان الآمن الوحيد، بعدما صارت المدينة وضواحيها تحت مرمى الهاونات. لم ننم لأيّام، ولم نذق ليومين سوى بضع تمرات زهدي حملناها في جيوبنا، كان الموت يتبعنا والنجاة محض افتراض.. عبرنا نهر (المصب العام)، وكانت ضفته الأخرى بمثابة ساتر لنا، وجدنا الآلاف وقد سبقونا، المطر كان غزيراً كما برد آذار ليلاً. ولأنّي ماكنت قادراً على تحريك جسدي، تمددت على الأرض- الطين، خلعت (قمصلة) تهرّأت، كنت أرتديها لأيام، لففت بها رأسي لتكون عازلاً بينه وبين الطين ونمت على وجهي، قائلا لنفسي ولمن معي: "هذا حدّي" وليكن مايكون.. ومن شدة الإعياء غفوت، آخر ماكنت أعلمه، أن جسدي توقف عن الاهتزاز كمصاب بالصرع. 
صحوت فجراً على أصوات قذائف تسقط على المدينة، تحرّكت فوجدت نفسي مغطّى بعباءة، عباءة امراة، رفعت رأسي لأجد أصدقائي وقد صحوا من نومهم، أو هم لم يناموا قط، سألتهم عن العباءة ولمن هي، قال احدهم: كنت ادخن قبل ساعات، وقد مرت نسوة معهنّ أطفال، توقفت اكبرهنّ عندك، حدقت بك رغم الظُلمة ، وسألتني: يُمه هذا الوْليد ميت.. عدل؟ أجبتها: لاأدري ياخالة ، وكنت فعلا لاأدري، انحنت عليك، ومدت يدها الى صدرك، ثم قالت: لا ،عدل ،عدل.. وخلعت عباءتها وغطّتك بها وهي تردد: الله يساعد كَلب أمك يوالي. ضحك صاحبي: ربما ظنّتكَ طفلاً لصغر حجمك، ولانك كنت نائما بوضع القرفصاء، يعني طولك شبر وشوية!!.. وأين هي ياصاحب النكتة في الوقت الملائم؟ قال: لاأدري، كانوا يمشون بهذا الإتجاه، وأشار الى هور "النواشي".. رايتها وقد دسّت جسدها مع امرأة اخرى في عباءتها وهي تمشي وتتلفّت باتجاهك. 
بكيت وقتها بنحيب لم أعهده بي، وكأن طاقة نزلت بي من السماء، لأجلها، لأنّني لم أعرفها كي أعيد لها العباءة على الأقل، أو لم اقبّل يدها التي امتدت لتتحسس رئتي أو نبض قلبي، واحترتُ بالعباءة لساعات، لو كنتُ بعمري هذا لاحتفظت بها، لتكون كفناً لي، لكنّني وقتها خفت أن يظن من يراها معي أنني استترت بها جُبناً للهروب.. لذا قرّرت، بعد أن وصلنا الى سيطرة (تل اللحم) المهجورة، أن أرفعها علماً لدولة المحنّة، وأن أتوّج تلك المرأة التي لاأعرف، ملكة النساء بما سيأتي من عمر مرتبك.
غادرت السيطرة جنوباً، وأنا أتلفّت إلى العباءة وهي ترفرف بالشرف والعفّة والرحمة. يا لتلكَ المراة التي لاتغيب عن ذاكرتي، ويالعباءتها التي تلفُّ جسدي للآن!