اقرأ في هذا العدد
 
 




ضوء
 
التحرّر من أبويّة الدولة
التحرّر من أبويّة الدولة
 
حسام السراي

بما أنّ سياسة التقشّف الحكوميّة صارت أمراً واقعاً، فمن الواضح أنّ بعض المنظّمات الثقافيّة ومعها عدد من المثقفين الناشطين أمام اختبار حقيقي؛ لأنّ هذه المؤسّسات وهؤلاء الأشخاص ليس أمامهم إلا البحث عن مصادر تمويل أهليّة تديم نشاطهم وتبقيهم على قيد الحضور والفاعليّة في المشهد ككل.
وإذا كانت رياحُ السنة الماليّة الصعبة قد اقتلعت منذ انطلاقها قبل ثلاثة أشهر، صحفاً وواجهات بدأ بعضها بالاختفاء تدريجياً، ليس مُستبعداً أنْ يستمرّ التداعي بتوقّف نشاط منظّمات ثقافيّة ومطبوعات كنّا نُتابعها بين حين وحين آخر؛ لجهة الاعتماد الكليّ على الدعم الحكوميّ الذي صار في حكم الماضي الآن.
مؤكّدٌ أنّ أوّل الغائبين عن الساحة، هم عرّابو الدروع والشهادات التقديريّة المجانيّة، من التي تمنح أسبوعيّاً وأحياناً يوميّاً، بعضهم يضيف للدرع- وهو جزء من مخلّفات ثقافة الماضي- حقيبة مختوماً عليها بختم المنظّمة التي لا همّ لها على صعيد الاشتغال الثقافيّ العميق، سوى الاستعراض المفرّغ من محتوى معرفيّ وجماليّ، أو السير على هُدى أجندة رُسمت سلفاً وعلى أساسها منحت قدراً من الأموال.
الآن فقط سنتحدّث طويلاً عن قصور التشريعات في البلاد، وسيتذكّر أحدنا لِمَ لم تفرض دولتنا على المؤسّسات الاقتصاديّة والماليّة الكبرى، من شركات استثماريّة ومصارف أهليّة ومكاتب خدمات الهاتف النقال وحتّى شركات الطيران العربيّة والأجنبيّة، دعم النشاط الثقافيّ والمبادرات المدنيّة والإبداعيّة، في مقابل أن تقدّم الدولة تسهيلات ضريبيّة لكلّ من يدعم طباعة كتب أدبيّة أو يموّل فعاليات فنيّة ومسرحيّة.
بالطبع نحن نستطردُ في طرح أحلام ورديّة، في حين وإلى يومنا هذا ما زال بعض المؤسّسات الرسميّة وغيرها يحتكم إلى قوانين ما يسمى  بـ"مجلس قيادة الثورة المنحل".
ليس صحيحاً أنْ يبقى النشاط الثقافيّ رهن رعاية الحكومة ووزاراتها، فجملة "برعاية السيّد" أو "برعاية معالي الوزير" أو "برعاية فخامة.."، لن تكون متاحة دائماً في ظلّ التقشف حالياً، فضلاً عن جملة صعوبات تفرضها بيروقراطية العمل الرسميّ والتعاملات الخاضعة لاشتراطاته ولوائح التعليمات المثبتة على الورق فقط بعض الأحيان.
شركات تربح مليارات الدنانير من المال العراقيّ، من دون أن تنتبه دوائر القرار إلى إمكانية تحفيز هذه الجهات باستثمار جزء من أرباحها، وتوجيهه باتجاهات ثقافيّة وتنمويّة، فالشركة التي تفكّر ببناء مول تجاريّ، ليس مستحيلاً أن تشترط الدولة عليها بناء مكتبة عامّة أو سينما حديثة التقانات ضمن مساحة المشروع نفسه، وشركة الطيران التي لديها أكثر من 10 رحلات أسبوعيّاً، ما من صعب عليها أن تُسهم في رعاية نشاط ثقافيّ لمرّة واحدة في السنة، كأن يكون طباعة كتب أو عروض للأوركسترا السيمفونيّة، أو تنظيم مهرجان للمواهب الجديدة، وهو ما نسمع ونقرأ عنه في دول أخرى من دور لهذه الشركات في مجالات ثقافيّة.
أخيراً هل تعجز مجموعة من المنظّمات الفاعلة في الساحة عن الاتّفاق على لقاء تتداول فيه بشأن تحرّك واسع على جهات مانحة لتضمن استمرار نشاطها، عسى أن تكون أجواء التقشّف فرصة للتحرّر من أبويّة الدولة ورعايتها الدائمة للثقافة والإبداعات عموماً.