اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 مشاكل الاندماج في المجتمعات الجديدة .. الجالية العراقية في هولندا انسجام ناقص
 صانعو النكتة يموتون كمداً
 أوروبا غنيّة بإنسانها المنتج لا بمواردها
 يوم دعاني مشعان الجبوري للمشاركة بانقلاب ضد صدام حسين!ـ
 الحديقة طريق سلس للسعادة

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

عالم آخر
 
الشرق بين عين وعين.. كيف رسمنا المستشرقون؟ـ
الشرق بين عين وعين.. كيف رسمنا المستشرقون؟ـ
 

كريم راهي

قبل أكثر من قرن، صرخ ومن وراء البحار، لسان حال التاج البريطاني، الشاعر روديارد كبلنغ، صرخته الشهيرة: «الشرق شرق والغرب غرب.. ولن يلتقيا»، مجسّداً بمقولته تلك، النظرة الإستعلائية للإمبراطوريّة التي لا تغيب عنها الشمس، تجاه الشعوب المغلوب على أمرها. لكن الشمس غابت على أيّة حال وطُرد آخر مستعمر بريطاني من (شركة الهند الشرقيّة) شرّ طردة، ولم يعد وصف بريطانيا بالعظمى يليق بها كثيراً. 
وفي ردّة فعل عنيفة، صار المستعمر الذي فارق جنّة عدن، يحاول الثأر ممّن تسبب بذلك، بمحاولة النيل منه في شتّى الطرق المتاحة.
كان (الشرق) مُقسّماً آنذاك إلى أقصى، أوسط وأدنى. وكان جلّ اهتمام فناني تلكم الحقب مُنصبّاً على طريقة الحياة التي يحياها أسلافنا تلك الأيّام في القسم الوسطي.
كان العرب غالباً ما تُظهرهم أفلام هوليوود، بالأزياء التي رسمهم بها رسّامو القرون الوسطى ممّن زاروا الشرق أو كتبوا عنه. الرجال منهم بعمائم أقرب لأن تكون هنديّة وطرابيش عثمانيّة، وبرانس مغربيّة، ويتمنطقون طبعاً بهميانات عريضة فيما خناجرهم المعقوفة مشدودة على بطونهم على الطريقة اليمنيّة. 
أمّا النساء منهم، فقد كانت الحرائر منهنّ يظهرن بمظهر أنيق عادة، ما يشبه الطراطير على الرؤوس تتدلّى منها أغطية شفيفة، وخمر مضروبة على الوجوه أحياناً، فيما تغطّي سيقانهن في العادة، سراويل فضفاضة تنتهي بمحزم من الأسفل.
الأحذية بالطبع لكلا الجنسين، تذكّر بأبي القاسم الطنبوري، عدا أنها عند الرجال تكون ذات مقدّمة مدببّة ومعقوفة إلى الأعلى كثيراً.
أما عن السحنة التي يظهرون بها، فهي في العادة وجوه ذات سمرة شديدة، ولحى مدبّبة من الأسفل تذكّر بالماعز، مع قسمات توحي بالقسوة. بينما امتلأت أيديهم وجيوبهم بأكياس الدراهم وهم يتدافعون في سوق النخاسة لشراء الجواري اللائي يكنّ في العادة جميلات وعاريات الصدور.
قبل ثورة الميديا، لم يكن الغربيّون يعرفون عن الشرق، والعرب على وجه الخصوص، أكثر مما تُرجم لهم من أقاصيص ألف ليلة وليلة، أو ما كتبه الرحالة والمستشرقون، وما كانوا يشاهدونه في لوحات الزيت على كنفاس المؤطرة والمعلّقة على جدران المتاحف والغاليريات الفنيّة.
ولاريب أنّ المتأخّرين منهم، سعداء الحظّ الذي امتلكوا آلات تصوير بدائية، كانوا أكثر أمانة في نقل (الصورة) التي كان عليها مجتمع العرب في بداية القرن الماضي.
ويبدو أن موديلات هؤلاء المصوّرين، كانت تختلف كثيراً عن تلك التي كان الرسّامون ينقلونها، فعلاوة على كون الرجال منهم أشباه عراة في الغالب، فهم حفاة على الإطلاق وذوو ضفائر مجدولة، راكبين ظهور الجمال وهم يحملون بنادق طويلة ويتحزّمون بصفوف الرصاص. بينما لم تظهر الصور المأخوذة على عجل من النساء سوى المتّشحات بالكامل منهنّ بالسواد، عنك الأطفال الذين لم تكن تستر أجسادهم سوى الخرق المهلهلة. بينما الرُقى والتمائم تتدلّى من أعناقهم الغضّة.
روائي مهم مثل كافكا، يكتب عن العرب بطريقة تُشّم منها رائحة كراهية، على الرغم من أنّه يبدأ قصّته القصيرة (بنات آوى وعرب) بجملة لا تشي بذلك: «كنّا قد ضربنا خيامنا في الواحة، وقد غفى رفاقي. مرّ بي القوام الشامخ الأبيض لرجل عربي، كان يتفقّد الإبل، ويمضي في طريقه إلى مرقده»
إلا أن باقي التفاصيل ستوضح وجهة نظر واحد من أهم الكتّاب الذين ملأوا الدنيا وشغلوا الناس، يطرحها على لسان واحد من بنات آوى:
«مامن شرارة واحدة تقدح من صلفهم البارد... أليس من نفينا مابين ظهراني مثل تلك المخلوقات ما يكفي من سوء الطالع...»
الشعراء لهم وجهة نظر مختلفة، لا أتحدّث هنا بالتعميم، لكنّ رأيي هذا جاء بسبب قربي من صاحب العلاقة. ففي قصيدة (طائر العنقاء) من كتابه الشعريّ (الرملُ في الصنادل)، يكتب (لينّارت هلسنغ)، شاعر الأطفال السويدي الذي قام برحلة إلى بلاد العرب، والذي سعيت لترجمة ونظم أشعاره بالعربيّة:
«سعياً إلى العرب السعيدة
حيثُ القلاع تُشاد من صدف المحار
سعياً إلى العرب السعيدة
فهناك ثمّ تكون للعنقاء دار»
ولستُ أعلم ماهو شكل السعادة التي كان يتحدّث عنها السيّد (لينّارت)، ففي صور عثرت عليها أثناء عبثي بالشبكة العنكبوتيّة، ماسوف يجعلني أعيد النظر في مشروع الترجمة، فأقرر زيارة الرجل هذا حيث يقيم، طالباً منه بعض التوضيحات عن أيّ الأماكن التي جوّبها وخرج منها بهذا.
الزيارة لم تتم لأن الرجل قارب على المائة، لكنّ الأسباب التي دعته للكتابة عنّا، نحن العرب السعداء، توضّحت لي بعد حين، فالاسكندنافيون لم يستعمروا أحداً.
وليس الأمر متعلّقاً بهلسنغ وحده من الشعراء، فقد سبقه إلى ذلك مواطنه السويديّ الشاعر (غونار إيكيلوف) صاحب مجموعة (حكاية فاطمة)، الذي دفعه حبّه للشرق إلى تعلّم الفارسية والعربية، والتعلّق فيما بعد بفلسفة الشاعر المتصوّف (محي الدين بن عربي) لدرجة أنّه استهلّ كتابه الشعري (أمير أميجون) بهذه الأبيات من شعر بن عربي:
«شعرُنا هذا بلا قافيّة 
إنمّا قصديَ منهُ حرفُ ها 
غرضي لفظة ها من أجلها 
لست أهوى البيع إلاّ ها و ها»
لقد أفاض الغربيّون الذين مرّوا بالشرق أو أقاموا به، وبالبلاد العربيّة على وجه الخصوص، في وصف التفاصيل التي كانوا يرون فيها سبباً يدفع البعض منهم لأن يعاود زيارة الأماكن ذاتها لأكثر من مرّة. ففي كتب مذكرات تزخر بها المكتبة العربيّة، ما يزيد عن حاجة الباحث من حكايات عن جغرافيا الأماكن وعن الأثنيّات والاختلافات يحاول كتّابها أن يكونوا منصفين لها في الوصف. ولمن يودّ الإستزادة فهناك مجموعة من كتب الرحلات أستطيع أن أشير إلى أسماء واضعيها بعجالة من مثل: (نيبور، البارون إدوارد نولده، دوبريه، إينهولت الهولندي، جورج أوغست فالين، ويلفرد ثيسجر الذي لقب نفسه بمبارك بن لندن!!)، والكثير الكثير مما لا يسع المجال لتعدادهم، قد أتناول الحديث عن بعضهم في موضوع لاحق.