اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 نهار في باريس .. أمام الورد في ذكرى الدم
 كرهت الحساب وأحببت القراءة ومعلمها
 قبل ان يرتوي الشاعر من بيته
 كل مافقدت من كتب حزنت عليها إلا كتاب واحد
 محمد الهجول حكاية السجين السياسي والمحرر التشكيلي

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

اوسع من نافذة
 
سفارتان..دكتاتورية وديمقراطية
سفارتان..دكتاتورية وديمقراطية
 

عبد الزهرة زكي



حينما يكون العراقي في مواجهة أيِّ سفير من سفراء البلد في مكان عمله سيجد نفسه أمام صورة مكثفة لحجم مشكلات السياسة وأساليب إدارة الوظائف العامة والطبيعة التي يجري بها تصريف شؤون الدولة العراقية.
وحتى قبل أيام لم أكن قد ألتقيت سفيراً عراقياً من قبل في عمله حيث لا صلة لي بما يمكن أن يجمعني بسفير.
المرة الأولى التي كنت فيها خارج البلد ودعاني أثناءها سفير، كانت في مطلع التسعينات، وقد كنت يومها في عمان. لم تكن الدعوة شخصية لي، كنا وفداً من أربعة أدباء عراقيين نشارك في مؤتمر عربي ثقافي هناك. جاء موظف كبير من السفارة العراقية عصراً إلى الفندق الذي كنا نقيم فيه، ودعانا، برغم كياسته وأدبه، بما يشبه الأمر إلى العجل من أجل الذهاب معه إلى عشاء كان قد جهزه السفير من دون موعد أو اتفاق. رغبات المسؤولين هي أوامر، ومثل هذه الدعوات تنظَّم كجزء من عمل وظيفي يقوم به السفير فضلا عن كونه استعراضاً للسلطة والجاه. اضطر الزملاء إلى الذهاب، وتذرعت بأن تأخّر واحد من الوفد لن يزعج سعادة السفير، قبِل الزملاءُ هذا التسويغ على مضض. تركوني لحالي متفضلين، فلم أذهب معهم.. وقد أكون زدت الطين بلةً عليهم وعلى نفسي فبدلاً من بيت السفير ذهبت بشكل عفوي وبالتوقيت نفسه إلى بيت شاعر عراقي معارض مقيم في عمان هو الشاعر سعدي يوسف.
لكن في إحدى سفراتي الأخيرة، وكانت صحفية، اضطررت إلى مقابلة سفير في مقر سفارة دولتنا في العاصمة الأجنبية التي زرتها. كان اضطراري لتلك المقابلة والذهاب إليها بحكم أن الجهة الأجنبية الداعية كانت قد رتبت الموعد مسبقاً، وكان معي عدد من الزملاء الصحفيين بينهم كتّاب واعلاميون كبار، ولم أشأ نشر الغسيل الوطني أمام المضيفين الأجانب، وإلا فقد كنت أبلغت زملائي بخطأ الذهاب للسفارة التي يفترض أن يأتي سفيرها أو أحد كبار موظفيه لزيارة الوفد في الفندق والوقوف على احتاجاتهم ولو كذباً ومجاملةً قبل ذهابنا إلى (سفارته).
ذهبنا، وليتني لم أذهب، فقد وضعَنا سعادةُ السفير أمام صورة شديدة التكثيف لفانتازيا إدارة الدولة من قبل بشرٍ يريدون أن يصوروا لنا أنهم متفضلون بهذه (التكليفات) التي يمارسون بموجبها (عملهم) مقابل أجور يحلم بها أي موظف خدمة عامة في أي دولة من دول الرفاه.
شتمَ السفيرُ المحاصصة فيما هو افتخر بأنه جاء للمنصب لجهاده ثلاثين عاماً في حزب. ظلّ يتحدث بتقزز عن (الحكومة التحاصصية) ببغداد بينما هو لم يتورع عن نسبة السفارة إليه شخصياً.. (سفارتي) هكذا يسميها، وكما لو أنها حصته جراء الثلاثين الجهادية من هذا العراق الذي تفرق قدداً.
أسأله: هل توجزك مراجعك ببغداد بموقف موحد للحكومة والسلطات في القضايا الكبرى؟ يجيب مبتسماً: لا، لم يمنحوني إجازة!، رددت وردّ آخرون معي: ليس إجازةَ استراحةٍ سعادة السفير، إيجاز اسبوعي أو شهري عن موقف موحد للحكومة تحتاجه بعملك، فيصحح جهلنا الديمقراطي بتواضع الحليم ويقول: لا، لسنا في زمن صدام، هذا تفكير دكتاتوري.
زمن ما بعد دكتاتورية صدام يفترضه مثل هذا السفير زمناً يكون فيه الكل أمراء بمقاطعات منعزلة تكبر لتكون وزارات وتصغر حتى تشمل السفارة.
وعلينا، حتى نكون ديمقراطيين بمقاسات السفير، أن نوافق أمراء الاقطاعيات في كل ما يفكرون ويقتنعون به، ولا يفكرون ولا يعتقدون إلا بما يعزز المصالح وبما يزيد النهب، ليس نهب المال وإنما حتى المؤسسات والدوائر، كلها كلها بالجملة.
لم أعرف ولم أسال أساساً عما كان قد دار في عشاء السفير التسعيني، لكني عرفت أن السفير الثاني كان قد ضيع مناسبة كرمه بعشاء عراقي لذيذ في مكان غريب بما ظل يركز عليه من استعراض وترفع ومن كلام عن تربيته الأوروبية التي وحدها يحق لها أن تمثلنا، نحن المتخلفين، في العمل الدبلوماسي.
والشيء بالشيء يذكر، ففي يوم ما قبل أعوام من الآن، زعل مدير عام حين قلت له: نعم يا حضرة الخواجة، وعبر عن استغرابه لوصفي أياه بالخواجة، بينما كان وصفي قد جاء من بعدما ظل هو يكرر عليَّ أكثر من مرة: أنتم العراقيون.. الرجل كان على حق فهو الآخر تربى أوروبياً، في بلد لعلي أستطيع الآن أن أقسم بأغلظ الأيمان على أنه لا يتمتع بعلاقة منتظمة مع أيِّ من أبناء أو بنات ذلك البلد، إنه واحد ممن عاشوا في الكانتون العراقي هناك وعادوا كما لو أنهم غادروا العراق منذ ليلة وليس من قبل عقود.
لم آكل في بيت سفيرنا في عمان مطلع التسعينات، ولم آكل أيضا في بيت السفير الألفيني.. لا زاد ولا ملح بيني وبين الإثنين وبما يسمح لي أن آخذ حريتي الآن في الكتابة عنهما، ومن خلالهما عن قطاع كبير من اشباههما، بما كتبت وعبرت عنه.