اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 في لقائي بـمايكل أونداجي.. حياة شاقة مليئة بالمفاجآت
 أبولنير..الشاعر الذي باع مليون نسخة من ديوانه ومات جائعا
 شاعر بقبعة من القش وفكرة مرهفة
 لمترجم تركي واحد.. مؤلفات عربية في مكتبات اسطنبول
 أطفال القراءة

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

حقيبة مهاجر
 
لقائي الأول مع باسكال مرسييه
لقائي الأول مع باسكال مرسييه
 
علي بدر

لم يخطر في بالي أبدا أني سألتقي في يوم ما بالكاتب السويسري الشهير باسكال مرسييه، الذي كتب رواية «قطار الليل إلى لشبونة» والتي قرأتها أيام كنت في بغداد، وربما هو أول كتاب أقرأه بالفرنسية. وذلك لأسباب عديدة. أولا لأني كنت أظن أنه عاش في ثلاثينات القرن الماضي، لأن أحداث روايته تدور في ذلك الزمن البعيد. ولأن قراءة كتابه أحيانا توهمك أن البطل هو ذاته المؤلف وبالتالي تعتقد أنه قضي منذ زمن بعيد. 
مع أني بحثت عن روايات أخرى له، لكني لم أجد له أي عمل آخر. وكنت أعرف جيدا أنه مقل ولم يكتب سوى أربع روايات. وانتهى الأمر بي أني بقيت زمنا بعيدا أتخيل أجواء رواياته التي لا تنسى بالرغم من أنني قرأتها على القاموس كلمة كلمة ولكنها حفرت في نفسي وفي ذاتي عميقا جدا، فهي من الكتب التي تغير فيك بعد قراءتها أشياء كثيرة، على المستوى الروحي وعلى مستوى القناعات. 
*في العام 2009 وصلت حديثا إلى بروكسل عاصمة المملكة البلجيكية قادما من برلين. حيث كنت مشاركا في مهرجان الأدب العالمي الذي يقيمه سنويا الشاعر الألماني يواكيم سارتوريوس. ويدعو إليه كل عام نخبة من أدباء العالم. في المهرجان التقيت الروائي اللبناني أمين معلوف، وفي ذلك العام كنت قررت الهجرة إلى فرنسا. وكنت أخذت رأيه. فنصحني بالذهاب إلى بلجيكا. وقال لي أن هذه الأيام هي أيام مهرجان أدبي كبير هناك، هو مهرجان باسبورتا، ويشارك فيه كاتب بلجيكي مهم اسمه دانيال فورنهاورت يقيم منذ زمن بعيد في اسبانيا، فعلي اللحاق بالمهرجان قبل أن يغادره. وقال أن فورنهاورت شخصية مرموقة، وهو ناقد كبير، وسيساعدني كثيرا في الاستقرار في بروكسل عاصمة الاتحاد الأوروبي. بعدها كتب لي أمين معلوف رسالة معنونة له، وطلب منه مساعدتي في الاستقرار في بلجيكا. في المساء كنت غادرت برلين في آخر قطار ذاهب إلى بروكسل. 
في الصباح هبطت في المحطة الشمالية مع حقيبتي، ومن تلفون المحطة اتصلت بإدارة المهرجان. فاعطوني العنوان للقدوم الى مركز ثقافي مهم يقع الى الغرب من بروكسل، وهنالك التقيت بدانيال فورنهاورت وهو رجل يقارب الثمانين من العمر، مع حفيدته لوسي. وكنا جلسنا في حديقة جميلة بين أزهار من ألوان متعددة وشربنا الشاي بالياسمين. وبعد ساعة اقترب منا شخص آخر كان قد سلم من بعيد ثم عاد ليتكلم مع دانيال فورنهاورت وجلس إلى جانبه. التفتت لي لوسي وقدمت الشخص القادم بأنه الروائي السويسري باسكال مرسييه. فاندهشت: 
-ولكن باسكال مرسييه توفى منذ زمن بعيد...
غرق الجميع في الضحك، قال فورنهاورت:
-هذا يعني أننا نتحدث مع شبح يا سيد بدر...
لكنه أكد لي أنه باسكال مرسييه، الروائي السويسري الذي كتب رواية قطار الليل إلى لشبونة. 
¶ في بغداد في التسعينات. في يوم من أيام الجمعة، كنت عثرت على كتاب غريب في الفرنسية. وقتها كنت أقرأ حديثا بلغة موليير. وكنت أعتمد اعتمادا كبيرا على القاموس. غير أن العنوان كان لافتا هو قطار الليل إلى لشبونة، ومع تصدير الكتاب يقول أن هذه الرواية ترجمت إلى ثلاثين لغة. والفترة التي تتكلم عنها الرواية هي حكم الدكتاتور البرتغالي سالازار. 
سحرتني الرواية من أول صفحة فيها. حيث تصور رايموند غريغوريوس وهو أستاذ لغات قديمة في جامعة سويسرية يعيش حياة رتيبة بعد طلاقه من زوجته. يعثر أثناء سيره على الجسر على شابة ترتدي معطفاً أحمر قريبة من السور، تحاول الانتحار من خلال القفز إلى النهر. يثنيها غريغوريوس عن ذلك من خلال سحبها من ذراعها، فتتساقط أوراقه بفعل عاصفة من الريح والمطر، فتساعده على جمع الأوراق التي سقطت من حقيبته وترافقه إلى المدرسة التي يعمل فيها. 
تغادر الفتاة قاعة الدرس غير أنها تترك معطفها الأحمر وحقيبتها، فيحاول أن يقتفي أثرها من خلال بطاقة استعارتها لكتاب من مكتبة المدينة، وهو كتاب طبيب برتغالي اسمه أماديو برادو، قتل أثناء اشتراكه في المقاومة ضد ديكتاتورية حكم سالازار،عثر في الكتاب على بطاقة سفر إلى لشبونة، وكان القطار يتحرك بعد ربع ساعة، فركض نحو المحطة عله يعثر على الفتاة، إلا أنه لم يجدها، وهكذا ركب هو في القطار الذاهب إلى برشلونة لتتحول رحلة البحث من الفتاة الشابة ذات المعطف الأحمر إلى بحث عن الطبيب أماديو برادو، والحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية للبرتغال تحت الحكم الفاشي من العام 1933 إلى العام 1974.
يتصل غريغوريوس بشقيقة الطبيب التي قامت هي بتحرير الكتاب ونشره باحثا عن معلومات منها عنه، إلا أنها ترفض أن تقدم له أية تفاصيل تتعلق بحياته في فترة النضال ضد فاشية سالازار. بعدها يعثر على قبره في مقبرة  البلدة». وفي طريق عودته إلى الفندق  يتلقى ضربة من قبل رجل يركب دراجة هوائية ويحطم نظارته.  فيذهب إلى أخصائية عيون كي يغير نظارته، فتخبره بأن عمها يعرف أماديو برادو ومن هناك يتعرف على حقبة مهمة من حياة البرتغال وأوروبا أيضا. 
¶ قبل أيام وفي مهرجان باسبورتا أيضا. كنت مدعوا في ندوة عن الأدب والمستقبل، وبعد الندوة كنت حضرت حفلة غداء أقامها الشاعر البلجيكي ستيفان لامبير للروائي السويسري باسكال مرسييه بمناسبة بلوغه عامه السبعين. وسط هذا الاحتفال الصاخب كنت تذكرت اللحظات الأولى من الرواية التي قرأتها في بغداد، وكيف كان البطل يحاول أن يفك رموز كتاب قديم في مكتبة فخمة. بعض الكتاب أشبه بكتبهم، إنهم رحلة غامضة من الأسرار والألغاز من بداية حياتهم حتى مماتهم.