اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 مشاكل الاندماج في المجتمعات الجديدة .. الجالية العراقية في هولندا انسجام ناقص
 صانعو النكتة يموتون كمداً
 أوروبا غنيّة بإنسانها المنتج لا بمواردها
 يوم دعاني مشعان الجبوري للمشاركة بانقلاب ضد صدام حسين!ـ
 الحديقة طريق سلس للسعادة

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

عالم آخر
 
فرويد وضع كتاباً عن فنونها قبل قرن النكتة يصنعها الفقراء ويضحك لها الاغنياء
فرويد وضع كتاباً عن فنونها قبل قرن النكتة يصنعها الفقراء ويضحك لها الاغنياء
 
كريم راهي

ما من أحد يستطيع التوصّل لمعرفة من هم الجنود المجهولون الذين يقفون وراء صناعة الضحك الأسود، لكنّ صانع النكتة الشعبيّة هو لاشكّ، ربيبُ الجوع والعوز والحرمان.. شخص آتٍ من قاع المجتمعات المنكوبة، ليجوب الشوارع الخلفيّة بحذر، ويجهد في اختزال معاناتها ببضعة أسطر أو كلمات.
شيء أشبه بجهد كتابة أشعار الهايكو أو الومضات الشعريّة في تركيزها:
• عجوز كحّت وكع لسانهه.
• فيتر يتشاقه ويه مرته.. كرصهه بالبلايس.
• واحد فكر.. ركض وحده طلع ثاني.
• كببچي تزوّج، فرش الچرباية كرفس.
يجب التفريق هنا بين الطرائف والنكات، فالأولى ممكن نسبتها لأشخاص بعينهم (جحا، البهلول، أبو نؤاس.. إلخ)، لكنّ النكتة يجب أن تكون مجهولة المصدر تماماً، لأتّها لا تتناول فقط التابوات الثلاثة (جنس، دين، سياسة)، بل تتعدّاهنّ إلى المساس بالطوائف والأثنيّات والأعراق وكل المقدّسات، وحتّى أصحاب العاهات والاحتياجات الخاصّة وكل المحذورات الاجتماعيّة، ما يجعل صانعوها يحجمون عن التصريح بأنها من صناعتهم.. لكنّها ستنتشر رغم ذلك وبطريقة (خيطيّة – هرميّة) حذرة، فرواية نكتة من هذا النوع تتطلّب تلفتاً سريعاً إلى الوراء، وتكتّماً شديداً، ويجب أن تروى بهمس وفي حلقات مغلقة أشبه بحلقات اجتماعات الحركات السريّة المحظورة، رغم ما تتطلبّه من قدرة على إلقائها لا يجيدها الكثيرون.. فالنكتة أولاً وأخيراً مسموعة غير مقروءة.
الشعوب المدلّلة لا تجيد صنع نكتة، أو فلنقل أنّها تطبخ نكتة بطعم (مرق اليقطين)، باهتة اللون والطعم ولا أثر للنكهة فيها، فهي تفتقر بالتأكيد للمادة الرئيسة في صناعتها.. الفقر الذي كنّا سادته.
وبذا، كان العراقيّون، يوم أنهكهم الحصار والقهر والاستبداد، قد قالوا أشدّ مالديهم من سخريات، لم تزل ترددّ صدى همساتها الجدران التي تخفّى وراءها ذلك الجيل من الرواة. الكثير منها كان يحمل في سخريته ما لم يمكن تغاضيه من هموم يوميّة كانت تفتك بالمجتمع المغلوب على أمره، كالحروب والإعدامات:
• كتكوت معلك بركبته صورة بيضة بالدهن، فسألوه: منو هذا؟ كال: هذي صورة أخويه الشهيد.
• بخيل جابوله إبنه معدوم كالوله نريد فلوس الطلقات، كال جان خنكتوه!
ثم جاءت موجات التفخيخ والخطف والقتل على الهويّة فأنتجت:
• واحد خطفوا ابنه، ركض وراهم مالحّك.. صاح: لا محالل ولا ماهوب!
• إرهابيين سيطروا على محل (تفصيخ سيّارات)، فبدلوا اللافتة إلى (تفخيخ سيّارات).
• واحد ديذبحوه وهوه بس يضحك، كالوله شبيك تضحك؟ كال السچينة بالمكلوبي.
هذه كوميديا سوداء لا تقبل اللبس، كلّما تفنّن صانعها في غرائبيّتها، كلّما ارتقت مرتبة أعلى في قوائم الـ (Top Ten) المحظورة. هي في هذه الحالة نتاج فعل اجتماعي يمكّن السوسيولوجيين من دراسة وتحليل كلّ حقبة زمنيّة استناداً إلى نمط النكات المنتجة عنها. وأذكر في هذا الصدد، وعلى سبيل المثال انتشار نكات (المحششين) التي جاءتنا بعد الثورة المعلوماتية، بعد أن كان أسلافهم من السكارى هم سادة القصص وأبطالها، واستحداث نمط جديد من النكتة لم تكن مادّته لتوجد لولا انتشار هذه الآفه في المجتمعات المجاورة.
• فتح الثلاجة، شاف الجلي يرجف بالكاسة،  كلله: لا تخاف ما آكلك.. جيت اشرب مي بس.
• محشش كامشله دجاجة ويضرب بيها: يا بنت الطحال كل يوم بيض!! ماكو فد يوم جبن؟.. كيمر؟
• حشاش مثقف كال لصاحبه: قل لي ماذا تقرأ..أقل لك من أنت...فكال صاحبه: ماذا تقرأ؟..رد عليه : من أنت؟
ولم تغفل السلطات عن الدور الذي سيلعبه هذا السلاح الفتّاك في تمرير إشاعات بعينها أو تسقيط جهة مناوئه، من خلال ترويج نكات كانت تُعدّ في مطابخ أجهزة المخابرات تحت إشراف أخصّائيين اجتماعيين وذوي باع في صناعة الضحك الأسود، مثلما حدث الأمر مع أهل مناطق بعينها أشبعتها مخابرات العهد المباد ضرباً تحت الحزام، بغرض إذلالهم والحطّ من شأنهم. أو ماحدث مع فنّان شعبي ورجل دين معروفًين في التسعينات من القرن الماضي أو غيرهما، وحتّى ما يحدث الآن مع شخصيّات معاصرة لم تزل مادّة أولّية وأرضاً خصبة لصناعة النكات.. حتّى أنّ الرئيس العراقي السابق (مام جلال) ظهر مرّة في التلفزيون وهو يروي نكاتاً عن نفسه ويضحك لها.
والملاحظ أن انتشار النكتة السياسيّة في حلقات مفتوحة، دليل واضح على الديمقراطية، وليس أدلّ من هذا ما يحدث مع كلّ رئيس من رؤساء الولايات المتحدّة، تبدأ أو تنتهي ولايته بنكتة، أوما يحدث أيضاً في بقاع أخرى من العالم لم يعد للدكتاتوريّات من مكان فيها، ليس استثناءً منها العراق الذي باتت نكتة الشارع السياسيّة فيه، تحمل نكهة السخرية من كلّ ما يدور خلف الأبواب المغلقة، متجاوزة هدف الإضحاك إلى إيجاد بديل لكلّ ما من شأنه حلّ المشاكل اليوميّة التي يرى الشارع أنّها استعصت على الحكومة، وأن الحوار بينه وبينها قد وصل إلى طريق مسدود.
ومن نافلة القول، أنّ هنالك كتاباً عن النكتة صدرت طبعته الأولى قبل قرن، وضعه العالم السايكولوجي الأشهر، (سيغموند فرويد)، يتناول موضوعة (النكتة وعلاقتها باللاشعور)، لا أدري إن كان مترجماً للعربيّة، يطرح فيه وجهة نظره العلميّة حول أسباب نشوئها وأنواعها ويتطرق إلى تحليلها نفسيّاً وعلاقتها باللاشعور وتفصيل دوافعها ونزعاتها وطرق إلقائها وكل ما يتعلّق بهذه النوع من المنجز الأدبيّ البشري الدالّ على نفسية الفرد والفاضح للمجتمعات.