اقرأ في هذا العدد
 
 




نواعم
 
المبتدأ والخبر والطائفية!ـ
المبتدأ والخبر والطائفية!ـ
 
حسن العاني

شيخوختي المتعبة تستعين بعافية العقد الستيني من القرن الماضي من ذاكرته وذكرياته.. إنها أيام شباب لم يعاشرها صداع شقيقة أو يؤرق ليلها التهاب مفاصل، ولعلنا اذا اكتمل نصابنا، لا نقلُّ عن ثلاثة عشر (رجلاً) بين الرابعة والعشرين والثلاثين من العمر، نلتقي يومياً في مقهى (عارف آغا) عند منطقة الحيدرخانه، مقابل مقهى الزهاوي التي مازالت قائمة الى الآن، أمدّ الله في عمرها، فيما إندثرت مقهانا فيما إندثر من تواريخنا الشخصية!
ليست بي حاجة الى اليمين، ومع ذلك أقسم ان احداً لم يسأل يوماً صاحبه عن دينه أو مذهبه او قوميته أو (من يا عمام) بل كان يسأله اقتراض دينار إذا مسّه الضرّ، يردُّه عند ميسرة، أو عن مسألة اشكلت عليه في الصرف أو اللغة، أو عن رغبة في الذهاب الى السينما أو المسرح، وقد يعترف أحدنا لأقرب افراد الشلّة قرباً الى روحه بأن (فتاة ما أنجب البدو ولا الحضر مثل جمالها جمالاً) بدأت تبادله النظرات، أو يشكو له غدر الحبيبة، ولكن أسعد ما كان يسعدنا هو ذلك التوهج الوجداني المذهل، ونحن نصغي الى كاظم الحجاج يقرأ علينا آخر قصائده، أو أخبار المجموعة الشعرية لحاتم الصكر.. وقبل أن تلوث السياسة المرسومة خارج الحدود بأقلام الديناميت واللغة الطائفية، والله ما كنا ندري سنية الحجاج من شيعيته، ولا شيعية الصكر من سنيته، وما خطر على بال الشلة في أي وقت أن تسأل (الحجاج أو الصكر أو صباح العاني أو عبد الرحمن مجيد الربيعي أو رافع المفتي أو عبد المطلب أو هوبي أو جواد ابراهيم أو جمعة حسين أو عبد الرزاق المطلبي أو نجاح البلام أو سامي أحمد أو الحصيري) عن هويته المذهبية، فقد كنا نبدأ جلستنا ما بين العاشرة صباحاً حتى الثانية ظهراً، ونحن في أشد حالات الانهماك بمرجعية الشعر الحر الى السياب أو الملائكة، وأيهما أجدر بقيادة الفكر الوجودي، سارتر أم كامو، وهل فائض القيمة هو حجر الزاوية في الاقتصاد الماركسي.. ويزداد انهماكنا سعيراً، حيثما كان هناك خبر عن رواية جديدة لنجيب محفوظ أو دراسة عن فوكنر أو كتاب عن نضال اليسار العالمي في مواجهة الامبريالية!
لا خلاف على إن باحة المقهى تختلف عن حرم الجامعة، فهذه الباحة تمتلك من معالم الحرية والديمقراطية و(الفوضى الخلاقة)، ما يفتقر اليه الحرم من حُرمات ومحرمات وضوابط وممنوعات، ولابد أن تلك الشلة اللذيذة كلما أضناها الحوار وأتعبتها جدية الثقافة، مالت بهذا القدر أو ذاك الى الترويح عن النفس عبر المزاح والضحك والطرائف وما تجود به القرائح من مغامرات عاطفية، وها هو كلام في النحو يدور حول تقديم خبر كان على إسمها، وقد إستشهد المتحدث بألفية إبن مالك (ترفع كان المبتدأ إسماً والخبر/ تنصبه ككان سيداً عمر)، وتلقف الكلام أحد الأصدقاء، فقال بطريقة مازحة، إن هذا البيت الشعري كان بصورة أخرى، ولكن (السنة) غيروه، لأن أصل البيت هو (ترفع كان المبتدأ إسماً واليلي/ تنصبه ككان سيداً علي)، وضحكنا ضحكة رجل واحد الى الحد الذي فقدنا فيه وقارنا!!
هكذا كانت النظرة الى السنة والشيعةِ على أيامنا، لم تكن ضمن مفرداتنا السلوكية، وأبعد ما تكون عن مفردات برامجنا الثقافية والفكرية ونتعامل معها بأريحية وشفافية، وكنا نستمع الى النكات الطائفية لكي نضحك ونعلق بالصيغة ذاتها التي نستمع بها الى نكات الدليم والناصرية والكرد والموصل.. وقد أراد من أراد بالعراق سوءا وبشعبه، أن يستولد من موضوعة السنة والشيعة مولوداً تافهاً إسمه (الطائفية) لكنه فشل، وسيفشل مهما حاول، لأن الجندي الشيعي القادم من العمارة والجندي السني القادم من الأعظمية، كلاهما يقفان جنباً الى جنب وراء الساتر، كلاهما يوجهان البندقية صوب داعش، كلاهما يستمدان قوته من رفيق الوطن، وكلاهما يذهبان معاً الى دار العبادة إذا أذنّ المؤذن للصلاة..