اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 نهار في باريس .. أمام الورد في ذكرى الدم
 كرهت الحساب وأحببت القراءة ومعلمها
 قبل ان يرتوي الشاعر من بيته
 كل مافقدت من كتب حزنت عليها إلا كتاب واحد
 محمد الهجول حكاية السجين السياسي والمحرر التشكيلي

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

اوسع من نافذة
 
كمان عراقي وعازفو تايتنك
كمان عراقي وعازفو تايتنك
 
عبد الزهرة زكي

تتركز واحدة من  بشاعات العنف ما بعد 2003 في صورة فوتوغرافية استوقفتني بالمصادفة في أرشيف المصور فالح خيبر، وها أنا، وقد أستعرتها منه ومن أرشيفه، لأقدمها هنا. إنها صورة طفل عازف كمان أو طفلة عازفة من أطفال مدرسة الموسيقى والباليه في بغداد.. زمن الصورة هو عام 2004، كما ذكر ذلك لي الصديق المصور نفسه.
هذه الصورة كثافة تعبيرية تقدمها بلاغة الفوتوغراف ببساطة وتلقائية، إنما بشحنة وجدانية بالغة القسوة والتأثير.
ما بين الكاميرا والعازف زجاج مضبب وقد طالته آثارٌ من تفجير قريب. والزجاج المضبب شبه المحطم هو ما يفصل أيضاً بين العازف وكمانه وموسيقاه وبين عالم العنف المحايث.
شراهة العنف تريد أن تمتد ببشاعتها إلى الأماكن كلها، بينما يكتفي جمال الفن بزاوية ضيقة يكتفي معها ليخلق عالمه الذي لا يدري إلى أي حد سيكون فيه بمأمنٍ من تلك الشراهة وهذه البشاعة التي تركت شروخها على الزجاج.
حاجز من زجاج مضبب ومشروخ هو تعبير عن حجاب معرفي ثقيل لكنه حاجز واهن يظل الطفل الموسيقار معه لا يرى هذا العالم المهدد بالوضوح الكافي ولا العالم المكتظ بالعنف يرى الطفل والفن بالوضوح الذي يجب أن يراه به.
ضبابية الزجاج كناية عن تشوش الرؤية بين عالمين: عالم الطفل والموسيقى من جانب والعالم (الخارجي) وعنفه من جانب ثانٍ.
إنها متاخَمةُ عالمين لا يتجاوران: الفن والعنف، الطفولة والحرب ، الحياة والموت..لكنه تجاور يفرضه سوء الأقدار.
أعادت هذه الصورة الفوتوغرافية لي مشهد عازفي الكمانات في تايتنك، مشهد لا ينسى، وهواستعارة سينمائية لمشهد حقيقي رواه الناجون من غرق السفينة عن فرقة كانت على ظهر تايتنك وظلت حتى آخر اللحظات، قبل اكتمال النهاية التراجيدية للسفينة ومَن فيها ،يواصلون العزف من أجل تهدئة بشرمهددة حياتهم ولا ينتظرون سوى لحظات مواجهة الموت، فلا صلة لهم بالكونشيرتو الذي بقي برغم كل ذلك متواصلاً من دون انقطاع.. ليس للفن والجمال إلا أن يتحصنا بما فيهما من طاقةٍ على الحياة وبقدرتيهما على خلق الأمل حين لا يكون ثمة أمل للخلاص من الموت والتهديد.
حيناً بدا لي الزجاج المضبب في صورة فالح خيبر وجهاً متجمداً للماء الذي انتهت إليه كمانات تايتنك. كلا الحاجزين هشّان لايقويان على حفظ الحياة المهددة.
مدرسة الموسيقى والباليه في واقعها هي واحد من معالم تعليم الفن الراقية في بغداد، وواقعاً فإن المدرسة أقيمت لتطلَّ على حدائق الزوراء، قلب بغداد الأخضر، ومحط تنزّه واسترخاء البغداديين، وبما يجعل من الحياة في المكانين: المدرسة والمتنزه حياةً تتواصل عبر السلام الذي هو روح الفن في المدرسة وهو من هِبات تناغم الجمال الطبيعي المطمئن في المتنزه.
لقد كان لأجيالٍ من عازفين عراقيين مهرة ومن راقصين أن يتدربوا على مقاعد المدرسة وعلى أيدي مدربين ومدربات أكفاء عراقيين وأجانب. كان هذا قبل أن يبدأ الحصار مع مطالع التسعينات بثلم تدريجي لقدرات المدرسة، كما حصل لكل التعليم في العراق، وبثلمٍ أبشع لقدرات معظم العائلات على تأمين حياةٍ سليمة ومتطلباتِ تعليمٍ راقٍ لبنيهم، وقبل أن يتفجرَ العنفُ الأسود في شوارع المدينة وأحيائها بعد 2003.
في أواخر التسعينات زرت المدرسة مع صديق كان طفلاه تلميذين فيها. وأثناء مرورنا قرب إحدى قاعات الدرس تناهى إلى سمعينا صوت بيانو، كان العازف تلميذةً تتدرب على عزف موسيقى واحدة من أناشيد الحرب الثمانينية. كان المعلم بعيداً عنها يتثاءب، وكان زملاؤها في الصف منشغلين مع بعضهم، درس رتيب وممل كان له أن أعاد إلى الذاكرة كآبةَ ونعاسَ آخر دروس يوم صيفي حار. لا صلة بين ما نتوقعه من البيانو ومن الطبيعة التي نعرفها عن المكان كمدرسة لتنمية الذوق وتطوير المهارات بما هو رفيع من الفن وبين هذا الذي نسمعه الآن. هكذا بدأت الحرب تدخل إلى البيت، إلى مدرسة الموسيقى والباليه، إنه دخولُ غريبٍ لن يتوانى بعد ذلك حتى يمتلك البيت وآلاته ويعيد ترتيب كل شيء بالفوضى التي يريدها، فوضى الحرب وتشويهها الأذن والعين والجسد كله.
لكن قبل هذا بسنوات كنت مرةً أيضاً في المدرسة، ولكن ما كان قد استوقفني في تلك المرة هو أداءٌ مرهف الحس لـ(ووتر ميوزك) لاحد أعظم موسيقيي القرن الثامن عشر جورج فريدريك هاندل.. كانت المدربة حينها تكاد تطير مع عزف تلاميذها، وكانت سعادة التلاميذ تجعل من القاعة فردوساً من أمواج الموسيقى ومن خضرتها، هكذا كان التلاميذ يتعرفون على عباقرة موسيقيين: فيفالدي، موازارت، باخ، بيتهوفن، هايدن، حتى تشايكوفسكي.
لا أدري لماذا تعيد صورة فالح لحظة هاندل. لعل رشاقة وقوف العازف الطفل ومعها وحشة المكان لا تتوافقان والمزاج الصاخب لأناشيد الحرب وما يشاكلها.. في الصورة يستطيع المشاهد تجاوز ضبابية الزجاج ليتأمل مزيجاً من سعادة آفلة ومن حزن يتقدم لتعبّر عنه وقفة التلميذ العازف قبالة الزجاج الذي يشفُّ ولا يُري.
مواصلة العزف تأكيد غير مباشر على مدى اطمئنان الطفل الفنان، أو الطفلة، لافرق. يواصل التلميذ عزفه وكما لو أنه يريد بهذا التواصل تأكيد مكوثه في عالمه الداخلي الذي هو أعمق وألطف حتى من عالم المدرسة المهددة، إنه عالم جمالية الفن وبراءة الطفولة، عالم يتوارى فيه الطفل عن حياة المدرسة المهددة ويستتر به عن عالم التهديد الذي لم يعد يفصله عنه سوى زجاج مشروخ.
لا يدري الطفل متى يتحطم الزجاج لتكون المدرسة في الأتون، في محرقة العنف مثلما لا يعرف عازفو تايتنك متى يتهاوى تحت أقدامهم آخر الواح السفينة المتهالكة بغرقها.
هل كان الزجاج المضبب في صورة خيبرعن فنان الكمان العراقي هو الوجه المتجمد للماء في فيلم تيتانك.. ؟هنا طفل بكمانه يواجه الموت مختبأ خلف زجاج مضبب وهناك فرقة تريد وهي تواصل العزف بكماناتها درء الموت غرقاً والذي لايفصله عنها سوى الوجه المتجمد للماء.
طريق الطفل من البيت حتى المدرسة هو مثل طرق معظم البغداديين الذين عاشوا سنوات التهديد برعبٍ لاعاصم معه من الموت أي مكان حتى البيت. طريق تلميذ مدرسة الموسيقى والباليه هو امتحان يومي قاسٍ يكرسه المرور بالمحرقة والعنف وما هو متوقع منهما من خطر يظلّ ممكناً له أن يحطم كل شيء في كل لحظة، لكن التلميذ العازف يستمر بقوة ما فيه من أمل من أجل بلوغ الفردوس.
كان هذا الطفل وهذه الصورة عام 2004 كما قلت.. وكلي أمل بعد هذا في أن يكون طفل الصورة الآن فناناً شاباً يمتلك طاقة الفن والأمل لزيادة مساحة الجمال في عالمنا الذي ما زال مهدداً.. أتأمل في مصير كمانه الذي قد يعيد إلى بالي ذكرى (الكمان الأحمر) لمخرجه فرانسوا جيرارد الذي تابع مصائر متعددة لكمان أحمر ظل يعزف طوال ثلاثة قرون من اقصى الأرض إلى اقصاها، كان فيلما ممتعاً وآسراً بفكرته التي بنيت عليها أيضا قصيدة الشاعرماريو سُسْكو من البوسنة التي تتحدث عن كمان عزف لألمان ولروس كي يعيش ويمر بتحولات وتنقلات حتى ينتهي به المصير إلى الماء في نهر. إنها مصائر موت تتهدد الكمانات، واقعاً في مدرسة الفن ببغداد، وسينمائياً بفيلم جيرارد، وشعرياً بقصيدة ماريو سسكو.