اقرأ في هذا العدد
 
 




على ضفاف الذاكرة
 
كامل الدباغ.. السير في طريق الذئاب
كامل الدباغ.. السير في طريق الذئاب
 
حين سألت الاستاذ الراحل كامل الدباغ (1925 - 2000) صاحب البرنامج التلفزيوني الشهير (العلم للجميع) عن يوم من حياته ظل عالقا في ذاكرته ، اسرج مهر تذكره ومضى الى الطفولة البعيدة منطلقا مسرعا وهو يعلن ان هذا اليوم كانت له فائدة عظيمة في مسيرته الحياتية .
   قال وهو يمهد السبيل للذكرى: عندما يحاول الانسان، كما حاولت انا، ان يستذكر يوما من حياته، فمن المرجح ان تعود الذاكرة في البحث عن هذا اليوم الى مرحلة الطفولة لانها غنية بالتجارب والاحداث .
   واضاف: عندما بحثت في ذاكرتي، وبعد التنقل بين يوم وآخر، استقر بي الرأي عند يوم كنت فيه طالبا في الصف الخامس الابتدائي في مدرسة خانقين الابتدائية، وكان ذلك في بداية السنة الدراسية في شهر تشرين الاول سنة 1936 .
واغمض الاستاذ الدباغ عينيه ، وبصوته الذي لا تغفله اذن ، تحدث موضحا : في ذلك اليوم نظمت المدرسة سفرة مدرسية لطلبة الصفوف العليا، اي الرابع والخامس والسادس، الى موقع يسمى المنذرية ، الذي يقع على مسافة 16 كم تقريبا عن مدينة خانقين، على الحدود الايرانية، وحيث تقع في الجهة المقابلة مدينة قصر شيرين، وقد وصلنا صباحا الى المنذرية، وكانت التعليمات تسمح بدخولنا الى قصر شيرين باعتبارها مدينة حدودية، وتجولنا في المدينتين ونحن فرحون بهذه الجولة وبما نشاهده وما نسمعه وتناولنا طعام الغداء الذي كنا نحمله معنا كما هي الحال في السفرات، حتى قارب اليوم على الانتهاء، وبدأت رحلة العودة.
 وتوقف عن الاستذكار كأنه يسترعي انتباهي الى شيء ما، فقال : كان الاسلوب المعتمد هو ركوب السيارات التي تعبر من ايران قاصدة خانقين وبقدر ما تستطيع ان تستوعب منا، وعندما غابت الشمس كان قد بقي منا نحو 25 طالبا، وحين جاءت سيارة استقلها المدير والمعلمون وتركونا في المنذرية لوحدنا واعتقد انهم كلفوا شخصا بتأمين السيارات لنا، ولكن للاسف لم تصل اية سيارة .
وتابع : وانتظرنا .. ولكن دون جدوى، بقينا نحن الصغار في المكان لا ندري ماذا نفعل، وعندما وجدنا ان الظلام حلّ قررنا العودة مشيا على الاقدام، وكانت المنطقة معروفة بوجود الذئاب فيها، وكان ذلك مبعثا للخوف في قلوبنا لاسيما ونحن اطفال ودون من يهتم بنا، قررنا الاعتماد على انفسنا والسير كتلة واحدة متراصة وكل واحد منا حمل بيده عصا للدفاع عن انفسنا ، وهكذا بقينا نسير اكثر من ساعتين في الظلام، وكانت فرحتنا عظيمة حين اقبلت احدى السيارات القادمة من المنذرية الى خانقين وكانت سيارة حمل لها عجلات تشبه عجلات عربات (الربل) ، توقف لنا سائقها وحملنا جميعا الى ان وصلنا الى المكان الذي نريد، فوجدنا اهالينا في قلق كبير ويحيطون بالمدير ويلقون باللائمة عليه والمسؤولية، لكننا وصلنا قبل ان تتطور الأمور .
وأوضح الدباغ رحمه الله: هذا اليوم كان درسا كبيرا ومفيدا تعلمنا منه الكثير، لذلك انا اتذكره دائما وارجع الكثير من الدروس التي تعلمتها فيما بعد اليه.
عبد الجبار خلف