اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 مشاكل الاندماج في المجتمعات الجديدة .. الجالية العراقية في هولندا انسجام ناقص
 صانعو النكتة يموتون كمداً
 أوروبا غنيّة بإنسانها المنتج لا بمواردها
 يوم دعاني مشعان الجبوري للمشاركة بانقلاب ضد صدام حسين!ـ
 الحديقة طريق سلس للسعادة

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

عالم آخر
 
عندما انتقلت أوروبا من عالم القرى البائس الى المدينة..أحياء عامرة بالحياة والرفاهية
عندما انتقلت أوروبا من عالم القرى البائس الى المدينة..أحياء عامرة بالحياة والرفاهية
 
كما هو الحال في كل مشروع ، يسير أي مشروع إسكاني في أوروبا وفق خطة متكاملة لها بدايتها ونهايتها التنفيذيتين ولكن الانتهاء من التنفيذ لايعني نهاية المطاف.  فبإنتهاء التنفيذ تبدأ خطة ثانية يسمونها خطة الصيانة الدائمة التي أعدت مسبقاً مع بداية المشروع !
ولا تبنى المدن  في اوروبا وفقا لمبدأ الاستمرارية، ولا تترك لتتطور عشوائيا لتنفجر فيما بعد بسكانها وبمجاري صرفها الصحي ومقاهيها ...السبب في ذلك أن سياسة الإسكان لا تنشأ كرد فعل على الاحتياجات الأساسية الملحة الناتجة عن النمو السكاني غير المدروس ولذلك لا تلبى هذه الحاجات بمستوى متواضع ولا تعالج بعلاجات ترقيعية اشبه بالمسكنات التي تعطى للمريض. وحين ينتقل الناس للسكن بالأحياء الجديدة فهم ينتقلون لأحياء بشوارع مبلطة وامدادات غاز وكهرباء ومواصلات واتصالات وحدائق ومساحات خضر لا تترك مجالاً للأرض العارية.
مستويات الحد الأدنى وقوانينها
مرت معظم دول أوروبا في بداية القرن العشرين بمرحلة وضع القوانين الإجتماعية الأساسية مثل التعليم والضمان الاجتماعي والصحي والأسكاني . وفي الوقت الحاضر تلعب مؤسسة الدولة في البلدان الأوروبية المتقدمة دور الرقيب على التطبيق السليم للقواعد والقوانين التي اتفق عليها المجتمع، وذلك بعد ان حددت مستويات الحد الأدنى في كل مفردات الحياة الإجتماعية عن طريق قوانين الدولة وقوانين البلديات،  واصبح لزاماً على الجميع، الشركات والأفراد والبلديات المحلية، الالتزام بتلك القوانين. فمثلما هناك مستويات الحد الأدنى لدخل الفرد التي تتدخل الدولة لدعمها في حالة تعرضها للتهديد، ومستوى الحد الأدنى للتعليم والحد الأدنى لكفاءة السيارات، كذلك بالوقت ذاته هناك مستوى الحد الأدنى لكفاءة الإنشاءات والوحدات السكنية. ومواصفات الحد الأدنى في التخطيط العمراني تبدأ من مستوى الوحدة السكنية الى مستوى الحي ثم المدينة. وتشتمل على مستوى الوحدة السكنية سلامة التصاميم وتوفر معاملات الأمان والالتزام بالحد الأدنى من المساحات والمرافق الصحية، مثال ذلك ان كل وحدة سكنية جديدة يجب ان تحتوي على حديقة أو شرفة بمساحة دنيا محددة، أو على مكان لخزن الاحتياجات . وفي الدنمارك شرعت الدولة منذ تسعينيات القرن الماضي بالزام شركات البناء على إيجاد تواليتين في كل بيت جديد. كذلك تحدد الدولة المستويات الدنيا للعزل الحراري والصوتي والسلامة العامة. واي مبنى لايمكن ان يدخل حيز  التداول  (الايجار أو البيع أو الشراء) مالم يستوف شروط الحد الأدنى ويحصل على الاذن الرسمي بالتداول.
وعلى مستوى الأحياء وتخطيط المدن هناك حدود دنيا الزامية من ناحية الخدمات الواجب والممكن توفرها، وامكانية الارتباط مع بقية المدن المجاورة بالطرق، وفرص العمل الممكنة جراء إنشاء فروع لشركات واسواق في الحي أو المدينة المزمع البدء بانشائها.وتأتي أسعار الوحدات السكنية المباعة أو المؤجرة مقياساً  للمستوى الذي يتجاوز الحدود الدنيا وبالعكس. 
دعم الدولة لمن لادعم له
ان الشروع بتغيير طريقة التفكير التقليدية لصالح الطرق المتقدمة التي تركز على ديمومة وحيوية المدينة والحي السكني كجسد حي متطور،  ومرونة التصاميم المعمارية التي تكّون المدينة تطلبت من الأوروبيين  قوة قرار سياسي كان يهدف الى التنويع والاضافة الى الاسس القديمة التي ساهمت بازدهار المدينة الأوروبية في عصر النهضة وشمول أحياء الطبقات الأقل حظاً من الثروة بتدخل الدولة بشكل قوانين ملزمة ودعم مادي طويل الامد. ولذلك كان لابد للدولة في ظرف ما بعد خراب الحرب العالمية الثانية، ان تتدخل لفترة لاتقل عن اربعين سنة قادمة في تمويل وتأسيس قطاع تعاوني إسكاني واسع،  يؤجر بشروط وقوانين واضحة لذوي مستويات الدخول الواطئة الذين لايتمكنون، حتى وان حصلوا على قطع الأرض من الدولة، من بناء مساكن بمواصفات أعلى من الحد الأدنى. تحديداً نقول أن أية شركة أو اي فرد لايمكنه التجاوز على:
قانون البناء والإنشاء الأساسي ، قانون الاسكان الأساسي ، قانون الشراء والملكية ، قانون الايجار الأساسي. وهذه القوانين تتفاعل مع بعضها للسيطرة على نوعية مايطرحه السوق من عقارات وإنشاءات مدنية هي بمجموعها عناصر اولية مكونة للبيئة السكنية.
 كان من شأن ذلك ان منع نشوء التجمعات السكانية المتخلفة والتي لاتليق بسكنى البشر. كما أن الدولة قد دخلت سوق الإسكان كمؤجر.  وذلك خولها صلاحية الزام الساكن بتعهدات تخص البيئة والنظافة والاهتمام بمستوى الحي السكني. بهذا الاجراء انتقلت أوروبا  من عالم المدن/ القرى البائس الى المدينة أو القرية المتماسكة المتجددة التي كونت أساس الوطن المتماسك النظيف. 
أحياء للجميع 
كما تتدخل الدولة في تحديد المعالم الاساسية عند تخطيط المدن وتراعي قواعد التعددية في المستويات في الحي الواحد ، حيث يمكن للمواطنين القادمين من مستويات اجتماعية مختلفة السكن في الحي الواحد. ولكل هذا فقد تلاشى في الكثير من بلدان أوربا الغربية  ماكان يسمى" بالمدن" الفقيرة، أو الأحياء التي لايسكنها إلا الفقراء. وإتجهت السياسات السكانية الى إنشاء الأحياء السكنية التي لاتكرس عزل الناس في أماكن خاصة حسب معايير طبقية واجتماعية معينة ، لذا لانرى هناك احياء راقية تتمتع بالخدمات وأخرى فقيرة مهملة لاتحصل على شيء وتغرق في اوحالها وقمامتها. وبهذه الطريقة أيضا خلقت المدينة من مجموعات سكانية تتعاون مع مؤسسات الدولة على الارتقاء بمستوى الحياة فيها. 
المدينة كائن حي 
نظرت أوروبا  للمدينة نظرتها لكائن حي وحساس، فللمدينة جسدها وقوامها الممثل بالابنية ، ومجساتها الشوارع والمتنزهات ولكن للمدينة ايضا روحها المتمثلة بالمكتبات ودور الفن والمسارح وصالات السينما والمنتديات الفكرية والأدبية والمتاحف، ولكل كائن حي استهلاك ومخلفات ومراحل نمو تتطور معها حاجاته، فحين يكبر جسد المدينة لابد لعقلها وروحها ان يكبران ايضاً، خلافا لهذا ستنمو المدينة ككائن معاق ضخم الجسد صغير العقل.
أسئلة لابد لها من إجابات
ان من أولى الاسئلة التي يطرحها مخططو المدن الأوروبيون هي: من اين تأكل المدينة وتشرب؟ والى أين تلقي بفضلاتها؟ كيف تتدفأ في الشتاء ؟ وكيف تواجه المدينة حر الصيف؟ بأي نسبة ستنمو المدينة؟ والى أية حدود؟ من اين تتبضع المدينة؟ اين تعمل وماتعمل؟ كيف تقضي امسياتها؟ اين يتجه صغارها للعب؟ كيف تجدد المدينة ذاتها؟ ما فرص الذهاب الى العمل مشياً أو باستخدام الدراجات الهوائية؟  كيف تشيد الأبنية باسلوب مرن فيتغير عندها المبنى الحكومي الى صيدلية ومعرض سيارات وعيادة طبيب دون ان تتعب الأرض بالانقاض والهدم والبناء؟
ان المدن  التي تعيش طويلاً وتمتلك قابلية التطور يصنعها العقلاء ممن لايفكرون بيومهم الحاضر فقط، وهذا ماتم في المجتمعات المتقدمة.
علي بداي