اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 زكي مبارك..عاشق العترة الشريفة
 حياءُ الخيل وعشقُ الفواخت
 الإمام الحسين خطبها لذريح.. مجنون لُبنى الكعبيًّة
 قيس بن الملوّح..مجنون ليلى
 ابن ميادة.. صريع أم جُحْدر

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

مقامات الحب
 
ساحر الأميرات باغانيني.. معجزة العزف على الكمان
ساحر الأميرات باغانيني.. معجزة العزف على الكمان
 
" ألم يكن لي أن أتكهن، بأن مسرّاتي 
ستنتهي قبل حبي بفترة طويلة؟
ماذا؟
أأصبحت رغباتي كلها هباء، إذاً؟
ولن أراك، بعد، في حجرتي، بكل الحرارة
والنشوة اللتين عودتني إياهما؟! "
( مريانا الكوفرادو
راهبة برتغالية ـ القرن 15)
كان ذلك سنة 1793 وقد بلغ نيكولا باغانيني   السنة الحادية عشرة من عمره، لكنه كان معروفاً، في هذه السن الصغيرة، بكونه المعجزة الكبرى في فن العزف على الكمان، في إيطاليا التي كانت حينذاك تزخر بالفنون والآداب، وتقدم لأوروبا نخبة من الشعراء والأدباء والفنانين، بينهم أسطورة الكمان: اليساندرو رولا، الذي كان يعيش في مدينة بارما.
قال أحد السراة لوالد باغانيني : خذه إلى بارما، حيث رولا، فلسوف يفتح أمامه الأبواب على أوسع مصاريعها، وسافر الفتى مع والده.
كان اليساندرو رولا، أيضا يعتكف في منزله حينذاك، وقلّ أن يستقبل زواراً. لكن باغانيني دلف إلى منزله مع والده، ورأى كماناً ملقى على منضدة، كأنما ينادي على من يستنطق أوتاره.
أمسك باغانيني بكمان رولا، ثم أخذ يداعبه ويحاوره، ثم عزف قطعة للنابغة رولا، الذي كان يخلد إلى الراحة في غرفة غير قريبة. لكنه ما إن سمع عزف باغانيني ، حتى هتف من مضجعه: »من هذا الذي يعزف قطعتي؟«. ومنذ ذلك اليوم، أخذ الفتى طريقه إلى المجتمعات الراقية في إيطاليا وأوروبا، وفي الوقت ذاته تبدأ مغامراته الغرامية التي إن خلت حياته منها، توقف عن الابداع أيضا.
كانت المغامرة الأولى، أو لنقل الحب الأول، في حياة باغانيني، في منزل أحد كبار جنرالات ايطاليا، هو المركيز ارنولدو فيسنتي، بمدينة جنوى الشهيرة، ومسقط رأسه.
وأما الحبيبة فهي المركيزة: ديدا، زوجة المركيز فيسنتي. كان المركيز في حوالي الخمسين من عمره، عندما تزوج من الآنسة ديدا، ابنة ثري يوناني مشهور بتجارة صناعة السفن. وكان عمرها حينذاك لما يتجاوز العشرين من السنين. وبعد زواجها بفترة قليلة، تعرفت إلى باغانيني في حفلة أقامتها الأميرة اليزا، شقيقة امبراطور فرنسا نابليون.
في تلك الحفلة، رأى باغانيني المركيزة ديدا، من على خشبة المسرح، بعدما انتهى من العزف على كمانه الساحر، ثم اقترب منها، وقادها إلى ركن منعزل وسط صخب الأمراء والجنرالات والأميرات والمركيزات، حيث أُخذ الجميع بذلك العزف الذي لا نظير له، فلقد كان باغانيني يتكلم من خلال كمانه، مرة بلسان الطيور، وأخرى بصوت العواصف، وثالثة بهفهفات النسيم، ورابعة بلغة الصمت ذاته.
من دون أي تحضير مسبق، غادر باغانيني والمركيزة ديدا قصر المركيز إلى جهة مجهولة، في نظر الناس، بينما هي مزرعة تعود لأحد أصدقائه في ريف جنوى. وهناك كان باغانيني يترع من هناءات حبه الأول، وفي الوقت ذاته يعكف على تمارينه وتأليفاته الموسيقية.
لكن الفنان، أي فنان حقيقي، متقلب المزاج، ويبحث عن الجديد في الحياة والفن على حد سواء، فكان أن قبل دعوة من الأميرة اليزا، شقيقة الامبراطور نابليون، لإحياء حفلة عزف، وما إن انتهت الحفلة حتى دعته الأميرة إلى إقامة مفتوحة في منزلها.
كانت اليزا الفرنسية، قد تشربت تقاليد إيطاليا، وهي أيضا متبرمة من زواج غير متكافىء، وكان عمرها يقارب عمر باغانيني، فجعلت من إقامته لديها تغييرا في حياتها الرتيبة المملة. وكان الفنان المشهور لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره، لكنه كان محط أنظار سيدات المجتمع ووصيفاتهن، وهكذا انتقل باغانيني إلى أحضان الأميرة بولين، شقيقة اليزا بونابرت، ليمضي معها زمناً إضافياً، قطعه بعلاقة قصيرة مع إحدى وصيفات القصر.
في هذه الأثناء، أطبقت شهرة باغانيني على الآفاق، وصار الناس يأتون إليه من كل حدب وصوب، يطلبون مشورة فنية، أو يعرضون عليه آلات موسيقية قديمة بغية تقويمها فنياً، وكان كبراء القوم يتركون عنده بناتهم المراهقات ليعلمهن فنون العزف على الكمان.
وفضلا عن عزفه الذي لا مثيل له على الكمان، كان باغانيني حسن الطلعة، رشيق القوام، حافظا للشعر، مقداما، لا يتورع عن اجتراح أي سبب ليدخل إلى قلوب العذراوات المفتونات به مسبقا. فكان ان اتخذ من قلوب هاته الصبايا مرتعا له، وكتب بذلك إلى صديقه المحامي جيرمي، رسائل مفعمة بعواطفه الحارة بحق هذا النمط من الصغيرات الفاتنات.
غير أن هذه المرحلة من عمره، وقد بلغ الثلاثين، لم تبعده عن بعض الأقاويل والشائعات وعيون الحاسدين، وغيرة بعض محبوباته السابقات. وكان يتخلص من هذه الشراك، بواسطة تعويضات مالية سخية، حيث إن دخله من حفلاته الموسيقية كان يكفي ليعيش في دعة وبحبوحة.
وفي سنة 1818 تعرف باغانيني على الأميرة براشي، زوجة الوزير النمساوي الشهير: مترنيخ، المتعجرف المتكبر، الذي عاقب أوروبا كلها، تحت ذريعة معاقبة نابليون على غزواته العسكرية، فكأن الأقدار أرادت أن تعاقبه على هذا الترفع على الناس والتكبر عليهم، بأن تدفع إليه باغانيني، ليخطف منه زوجته الأميرة، التي أمضى معها ثلاث سنوات في النمسا.
ما إن عاد باغانيني من النمسا إلى بلاده، حتى تعرف إلى المغنية انطونيا بيانتشي، التي سوف تصبح زوجته لاحقاً، وتمنحه ولدا كان في أمس الحاجة إليه، لكي يهدأ ويرتاح، وتخلو روحه إلى فنه، ويتأمل ما حوله من الناس، فقد دخل، الآن، مرحلة الكهولة.
كانت المغنية انطونيا، بارعة الجمال، وذات صوت لا ينافس، وحضور قوي في أوساط المحيطين بها، فسعدت بزواجها من باغانيني، فلقد اجتمع الوتر والحنجرة، كما لم يجتمعا من قبل.
لكن انطونيا، امرأة، ومثل غيرها من النساء كانت تغار على زوجها الذي يدخل إلى قلب أي امرأة تلقاه من دون أي مقدمات، ثم تطورت هذه الغيرة إلى أسئلة واستنطاقات، ثم إلى شجارات وعراك، ثم إلى خصام، حتى ضاق باغانيني ذرعا بزوجته، وانفصل عنها نهائيا، في ذروة انفعاله، بينما كانت هي لا تصدق ما أقدم عليه هذا الزوج الذي أخذت الأمراض تحيط به من الجهات الأربع.
ما أجمل الحرية عند الفنان.
ولكي ينعم باغانيني ببقية عمره، منذوراً للفن والحب والجمال، جال في مدن أوروبا كلها وأحيا حفلات في باريس وبراغ وفرصوفيا وغيرها. وهناك وجد الناس يقبلون عليه، كما لم يقبلوا على عبقرية بيتهوفن، فزاد ذلك من انكبابه على نفسه، ومحاولته لإعادة تركيب وضعه الروحي من جديد.
لقد أدرك باغانيني، وهو في الخمسين من عمره، انه مهما سافر وجال في  الديار والأمصار، لا يستطيع التخلص من خيال المركيزة ديدا، التي دخلت في خدمة أحد الأديرة بعدما عافها باغانيني ذات يوم.
وفي لحظة من لحظات الافتكار العميق، بينما كان طائر الموت يحوم حول رأسه، تذكر باغانيني كل اللواتي سحرهن كمانه الرائع، وفتنهن أداؤه الأروع، وسكن أفئدتهن منطقه الأريب الراقي.
ولم يتوقف إلا عند ديدا، تلك الفتاة اليونانية، السمراء، التي تركت زوجها وثروة أبيها، بل وسمعتها الشخصية من أجل أن تجثو بين قدميه، وهو يعزف على وتر واحد على الكمان، في مأثرة من مآثر الموسيقى العالمية، التي قل أن تتكرر.
وحين أغمض عينيه للمرة الأخيرة، كانت خيول الحب تخب في سهول روحه ووديانها.
مصرع خاص
العنود التي مثل شمس سوداء
غزالة الليل الشاردة من جسدها، إلى حيث السيف والوحشة بانتظارها
القتيلة عند مذابح الجهل والنفاق
كانت في عربة قلبها، أمس
لا تجد من تطلبه، سوى قلبها
العنود التي هي الحزن، والفرح الذي لن يأتي
العنود، الغزالة، الزهرة، الريح، الموجة
السفح، العمق، النخلة، العاصفة، البهجة، البتول، العارفة، الساخطة، المترهبة، القمة، الأخيرة، والسماء الثامنة
العنود التي لا سواها، هي نفسها لا غيرها، منحت للغرقى خشبة النجاة وتابوت السكينة.
جمعة اللامي