اقرأ في هذا العدد
 
 




نواعم
 
اعلان البدري!!ـ
اعلان البدري!!ـ
 
يتوهم كثير من الناس، إن يد البطش التي  إستعان بها صدام حسين منذ توليه السلطة عام 1979، قد نجحت في اجتثاث الصوت العراقي، وتخويف الشعب ومنعه من الاعتراض والمواجهة والتعبير عن الذات، وربما كانت الناس محقةً فيما ذهبت اليه من وهم، لأن إسلوب العنف المتطرف الذي تبنّاه (الدكتاتور)، لم يكن مسبوقاً في تاريخ العراق، ومن النادر ان نجد له مثيلاً في التجارب الدكتاتورية على مستوى العالم، ذلك لأن عقوبة (الاعدام أو القتل أو الاغتيال)، هي نوع واحد من عقوبات يكون التعذيب البشع فيها مرافقاً للموت، وأقسى ما في هذا المشهد يكمن في طبيعة التهمة، أو سبب العقوبة، فشتيمة أحد أفراد الأسرة الحاكمة في ساعة غضب، أو التأفف من قرار إتخذه رئيس النظام، أو إبداء رأي لا يتوافق مع سياسة الحكومة، أو ما شابه من هذه الحالات، كفيل بتصفية صاحبه جسدياً في العلن أو بصورة غير مباشرة، وليست تصفية الشاعر الشعبي غازي ثجيل أو الصحفي ضرغام هاشم وغيرهما الكثير، إلا أمثلة حية، والغريب إن عقوبات (الدكتاتور) سَرَتْ على البعثيين وغير البعثيين بالمعيار نفسه، وربما كان كبار القادة البعثيين والمسؤولين عرضة لعقوبات أشد، فقد تم اعدام عضو القيادة القومية عبد الخالق السامرائي مثلاً من دون تهمة، مثلما اعدم وزير الصحة رياض العاني بتهمة باطلة إضطر النظام مكرها الى  الاعتذار عن موقفه لاحقاً وقائمة إعدام (الكبار) لها بداية وليس لها نهاية!!
أمام هذا البطش والعنف والقسوة كان من حق الناس أن تتوهم، إلا ان عشرات الوقائع والشواهد تؤكد إن العراقيين كانوا من طينة لا تعرف الخوف، وسيرتهم النضالية في مقارعة الاستبداد الصدامي مدعاة فخر واعتزاز، فمن محاولات انقلاب على النظام، إلى محاولات اغتيال لرأس النظام، إلى إنتفاضات وثورات شعبية.. إلى.. إلى.. من دون ان نغفل الدور المؤثر للحركة الثقافية (أدب، مسرح، فنون.. الخ) في مواجهة الدكتاتورية، ومن المهم التنويه هنا، إلى ان أغلب الأنشطة الثقافية قد عمدت في مواجهاتها الى أساليب الترميز والتلميح والاشارة، معتمدة في تمرير أفكارها على غباء السلطة من ناحية، وعلى ذكاء المتلقي وإدراكه لما يختبئ وراء السطور من ناحية أخرى، ويكفي ان استذكر هنا وأذكر مسرحية (ملك زمانه) التي أدى دور البطولة فيها الفنان المبدع حيدر منعثر، فقد قالت الكثير، وسخرت من رأس النظام سخرية مريرة بما حملته من رموز وتلميحات فطن لها الجمهور ولم تفطن لها السلطة!
و(ملك زمانه) المسرحية تُلهم ذاكرتنا، وتعود بها إلى موقف كبير لا يخلو من غرابة طرحه الفنان الرائد (مكي البدري)، وتجدر الاشارة هنا إلى إن البدري قامة فنية من قامات الفن العراقي، وهو بطل فيلم الحارس الذي أخرجه الفنان القمة خليل شوقي، وأدى عشرات الأدوار التمثيلية خاصة التلفازية، وحين ضاقت به سبل العيش هاجر الى خارج العراق، وقد توفى رحمه الله في السويد عن ست وثمانين سنة، والموقف الغريب واللافت للنظر هو إقدامه على نشر المادة الصحفية التالية في عدد مجلة (ألف باء) ذي الرقم 1576 والمؤرخ في 9/12/1998، والذي أنقله بنصه الحرفي (إعلان.. إلى كافة شركات الانتاج التلفزيوني والسينمائي المحترمة، نحب أن نلفت أنظاركم الكريمة الى ما يلي: ممثل قديم وقدير من خريجي معهد الفنون الجميلة، يرغب في المشاركة بالأعمال الدرامية التلفزيونية وبأجور متواضعة علماً بأنه ملتحٍ وجاهز للأدوار التأريخية وأدوار الكهولة والشيخوخة ومستعد لحلق لحيته عند اللزوم.. عند الحاجة يرجى الاتصال بالهاتف (4157907 مكي البدري).
يساورني الشك إن أحداً قد بلغ بالكوميديا السوداء ما بلغه الراحل البدري، ولا أظن أحداً سخر من النظام، وكشف وضع الفنان العراقي المزري كما فعل مكي في إعلانه الذي يقرب من الصرخة المدوية.. رحم الله البدري فقد كان ضميراً متألماً أحسن الوسيلة وأوصل رسالته بحزن ومرارة و.. ذكاء!!
 
حسن العاني