اقرأ في هذا العدد
 
 




أما بعد
 
من أنت؟ـ
من أنت؟ـ
 
يوم شتمنا الحجاج شتيمته الشهيرة: 
"يا أهل العراق! يا أهل الشقاق والنفاق"! رد عليه الجاحظ، بعد حين، بالقول أن العراقيين أهل فطنة وذكاء وانهم يمحصون الأخبار ويناقشونها فيظن حاكمهم أنهم أهل شقاق ونفاق.
والحقيقة أن فينا من القولين الشيء الكثير. فبعضنا، وحتى يومنا هذا، يتبنى أننا أهل شقاق ونفاق، فيما يتبنى بعض آخر القول أننا أهل فطنة وذكاء.. وفي النهاية صار كل عراقي يظن نفسه من أهل الفطنة فيما غيره من أهل الشقاق والنفاق!
هذا عن أيام زمان.. أما اليوم فان شعبنا ومنذ عقود ماضية هو، مع كامل الأسف والاحترام، شعب "غشيم"! فقد صدّق حكامه عندما قالوا له إنه "يقرأ الممحي" وإنه "مفتح باللبن" لكن اولئك الحكام لم يسمحوا له أن يرى طريقه بنفسه.. وانما اقتادوه بمعرفتهم البائسة من المهد الى اللحد!
وحتى لايبدو الكلام وكأنه نوع من السخرية علينا أن نعرف إن من ولد في العام 1960 وحتى منتصف تسعينات القرن الماضي، هو شعب درس وتربى في مدارس البعث، من الروضة وحتى الجامعة ومن ثم الى محرقة الحرب. وتلك التربية لم تكن شيئا عابرا فهي تعتمد على منظومة فكرية قاتلة، قامت على تضخيم الذات والاعتقاد ان العراقيين خلقوا من طينة خاصة! وان العالم، كل العالم تقريبا، يناصبنا العداء ويتحين الفرص للإيقاع بنا.. وفي جو تضخيم الذات الزائف هذا نشأت نظرة عنصرية امتدت حتى للعرب، ناهيك عن النظرة العنصرية ضد الايرانيين وكل ماهو من أصل ايراني حتى لو كان أبا نواس (كان في نية النظام تغيير اسم شارع أبي نواس لأنه من أصل ايراني)!
كلمة أجنبي أو غربي كانت مرادفة في الحديث السياسي لكلمة عدو (ومازالت شائعة في ثقافتنا واعلامنا). لم تسمع هذه الأجيال أو تقرأ في وسائل الاعلام الرسمية فضيلة، عبر التاريخ، لايران أو لاميركا أو لتركيا أو لأي بلد غربي أو شرقي.. انها بلدان لاتستحق حتى صفاتها المعروفة، فإيران الاسلامية، (الشيعية والسنية عبر التاريخ) هي بلاد الفرس المجوس الذين استأنف العراق معهم حربا، عمرها خمسة الاف سنة على حد تعبير طه ياسين رمضان! وإن من يذكر شيئا طيباً عن ايران أو الكويت أو السعودية فهو لا شك عميل أو مرتزق. وفي الواقع فان هناك توجساً مرضياً عند الشعب العراقي واذا اردت التأكد من ذلك فما عليك الا ان تجرب انتقاد جارتنا ايران أمام شيعي، أو انتقاد السعودية أو تركيا أمام سني!
هذا الهوس هو نتاج طبيعي لتربية عنصرية طويلة وجدت اليوم مايزيدها "ضغثا على ابالة" وهي الروح الطائفية المتفشية رغم نشيد (اخوان سنة وشيعة وهذا الوطن ما نبيعه) وكأن احدا بلغ به الجنون حد شراء العراق بوضعه الحالي!
أيضا هناك تقديس القوة والغلبة بين العراقيين والاستقواء بوزير أو شرطي أمن أو متنفذ في حزب مسلح، ولن ينتهي الأمر على خير لو استمرينا في تعدادها.. لكن المهم ان هؤلاء (مواليد 1960 وما تلاها) هم الذين يقودون حياتنا العراقية، حكومة ومعارضة وارهاباً و.. إعلاماً. وفي ساعة سودة تمر بالعراق، وما اكثر الساعات السود التي مرت به، لن تكون قادرا على التفريق بين إعلام هذا الطرف أو إعلام الطرف المضاد، فاغلبه ينطق بلغة البعث، العنصرية الاستعلائية، وكلهم ما زالوا يسوقون كذبة ان شعبنا يقرأ الممحي وهو مفتح باللبن. وعلى هذا الأساس فانه يعرف مؤامرات الأعداء الخارجيين من غربيين وشرقيين ومن عرب واعاجم والخ و..عليهم يا نشامى! 
لقد بدأت بذكر ما قاله الحجاج وما رد به الجاحظ ولا أدري أين نضع انفسنا اليوم؟ تحت شتيمة الحجاج أم تحت دفاع الجاحظ عنا؟ ام نعتبر مثل هذا السؤال جزءا من مؤامرة خارجية تريد النيل من عنفوان شعبنا ووحدته، وهي اللغة الاكثر شيوعاً في العراق!؟
عامر بدر حسون