اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 هل نحن حقاً من كوكبٍ آخر؟ـ
 مازلنا بألف خير..صدقوني
 ما أروع قولكَ يا إمام المتّقين
 تراجيديا "سبايكر".. النحيب وحده لا يكفي!ـ
 نضرب او لا نضرب.. تلك هي القضية!ـ

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

تحت سماء لندن
 
تجميل الجميل وإهمال المهمل
تجميل الجميل وإهمال المهمل
 
يقال ان ملك المغرب الراحل الحسن الثاني كان لا يحب رؤية مناظر البؤس والشقاء , لذا كانوا يغطون أحياء الصفيح والعشوائيات بسياج عال كلما اضطر للمرور بها, فلا هو يرى بؤس أبناء شعبه  ولا هم يرونه, والحال قريب من هذا في العراق , فالمناطق عندنا مقسمة إلى فقيرة ومهملة وأخرى متحضرة ونظيفة وراقية, ولا رابط بين الإثنين, فلا ناس أولئك يتطفلون على حياة هؤلاء  ولا ناس هؤلاء يعنيهم بؤس اولئك, حتى صار الإنتماء إلى مناطق بعينها أشبه بالشتيمة  أو السبة, والعيش في الأخرى مثاراً للفخر والتباهي ونفش الريش, وعلى مر السنين صار التعامل مع هذا الوضع وكأنه قدر لا يمكن تغييره, وحقيقة لا يمكن تجاوزها, وواقع علينا القبول به .
ولكن ما يحدث في الدول المتقدمة  أمراً مغايراً تماما لأن ثمة عيوناً خفية ترصد, وعقولاً تفكر وإرادة   تعمل من أجل تقريب المسافات ووضع الخطط الذكية لانعاش المناطق المتعبة عمرانيا واجتماعيا  وانتشالها مما هي فيه ,. ففي لندن على سبيل المثال ثمة منطقة تقع في مركز المدينة تدعى ( كنغس كروس)  هي بؤرة ليلية للمخدرات والدعارة ودكاكين بيع الأشرطة المبتذلة وصالات الرقص الرخيص  ( تيبل دانس) ووكر للمشردين واللصوص، أما نهاراً فهي مثقلة بالوجوه المتعبة ودكاكين بيع الأثاث المستعمل والمطاعم الشعبية  والبنايات الكالحة التي كانت في يوم ما جميلة, ولكن ماذا حصل؟ لقد انتشلت لندن هذه المنطقة  عندما اختارتها لتكون مكانا لأكبر محطة قطارات تربط لندن بالعديد من عواصم أوربا عبر ( قطار اليوروستار), وبسرعة البرق تحولت هذه المنطقة إلى مكان لا تهدأ فيه حركة رجال الأعمال والمسافرين والسياح الاوربيين, وقفزت أسعار البيوت وارتفع معها المستوى المعاشي لساكنيها وانتشرت في جنباتها الأسواق العصرية والمقاهي الحديثة. وإكمالاً للخطة اختاروا هذه المنطقة أيضا مكانا لبناء المكتبة الوطنية البريطانية الكبرى، وبذا تغير الحال وبدأ الدارسون وطلبة العلم والثقافة ومنظمو المعارض الفنية بالتوافد على هذه المنطقة التي انقلبت أحوالها بطريقة اقرب إلى الحلم. 
وحصل الشئ نفسه مع منطقة "ستراتفورد "شرقي لندن, والمعروفة بوضعها الإجتماعي الفقير واكتظاظها  بالجاليات الهندية والبنغالية والصومالية فضلا عن فقراء الإنكليز الذين حولوها إلى منطقة (تعبانة) لا تسر النظر, ولكن لندن تداركت الأمر واختارتها دون غيرها من احياء  لندن الجميلة لبناء منشآت أولمبياد 2012  الحافلة بالبناء الانيق والتصاميم الراقية التي كانت بمثابة الثورة التي قلبت حياة أهل هذه المدينة  وغيرت مزاجهم ونظرتهم لانفسهم وللآخرين. وثمة مثال ثالث هو منطقة ( هكني) في شمال شرق لندن التي تسكنها غالبية من ذوي البشرة السوداء من اللاجئين والمهاجرين, ومعهم حزمة من الأمراض المجتمعية التي  تبدأ بالسرقة ولا تنتهي بالمخدرات وكل أنواع الخروج عن القانون, وكان العلاج هو بناء عمارات أنيقة وعصرية تستهوي الشباب الذين يريدون بدء حياة الإستقلالية  من خريجي الجامعات والفنانين والإعلاميين والمهنيين وأبناء الطبقة المتوسطة, وقد توافدوا بالفعل إلى هذه المنطقة بعد ان جذبتهم عروض بيع الشقق العصرية بالأقساط المريحة, وجاءوا معهم بحزمة من التقاليد الجديدة والممارسات الراقية التي غيرت من وجه المدينة .
اقول هذا وأنا اتابع ما يحدث في بغداد من تجميل للجميل وإهمال للمهمل, ومن حركة بناء للمولات الحديثة والمقاهي العصرية والمطاعم الراقية والبنايات الجميلة وكلها في الأماكن النظيفة والراقية أصلأً أما المناطق المهملة ومدن الفقراء فلا أحد يقترب منها أو يفكر في تطويرها لأنهم يظنون ان قدرها أن تبقى مهملة ولا يذكرها...الإ سائقو سيارات النفايات والطمر الصحي الذين يرمون حمولتهم كل يوم ويرفعوا من الجبل الذي يفصل بين مناطق السبة والشتيمة ..و مناطق التباهي ونفش الريش في العاصمة بغداد.

 
سميرة التميمي