اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 زكي مبارك..عاشق العترة الشريفة
 حياءُ الخيل وعشقُ الفواخت
 الإمام الحسين خطبها لذريح.. مجنون لُبنى الكعبيًّة
 قيس بن الملوّح..مجنون ليلى
 ساحر الأميرات باغانيني.. معجزة العزف على الكمان

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

مقامات الحب
 
ابن ميادة.. صريع أم جُحْدر
ابن ميادة.. صريع أم جُحْدر
 
" العفاف زينة الغفر" 
( علي)
 
معذورون، حقا. اولئك الذين بنوا بينهم وبين هذا الشاعر ، جُدرا وحيطانا ، فهم يجهلون »الرَّمّاح بن أبرد بن ثوبان« المعروف بـ "ابن شرحبيل" ، شاعرا وفارسا ، بينما يعرفه قليلون عاشقاً. بل إن هؤلاء يجهلون محبوبته، لا سيما إذا قرأوا شعره في »زينب«، ونسوا، أو غفلوا عن شعره في أم جحدر. 
مجنون زينب
 
ابن ميّادة، دارت عليه، مرات ومرات، دوائر النسَّابين، فهو فارسي تارة، وعربي أخرى. لكن شعره العفيف، وغزله الرقيق، يوحيان بأنه عربي من فصيلة العشاق الأحرار، الذين لا ينتظرون من المحبوب وصلا إلا في رابعة النهار، ولا يبغون علاقة فيها عوجاً.
وهو غطفاني، من بني غطفان التي أنجبت النابغة الذبياني، ونظيره: الشمّاخ.
 وقال الحطيئة: أبلغوا الشماخ عني، انه أشعر غطفان. وفي ذلك يقول ابن ميادة:
أنا ابن أبي سلمى وجدي ظالم
وأمي حصانُ حصَّنتها الأعاجمُ
ويقول في هذه القصيدة أيضا:
لو أن جميع الناس كانوا بتلعة
وجئت بجدي ظالم بن ظالم
لظلت رقاب الناس خاضعة له
سجودا على أقدامنا بالجماجم
هذه النفس العربية الأبية، لابد أن تكون مجبولة على العفة، مركوزة على الطهر والطهرانية، متكئة إلى تقاليد العشاق العرب العذريين الذين يتلبسهم الحياء ساعة يرون الجمال يسفر عن وجهه وروحه:
وما نِلت منها محرَّماً غير أني
أُقبّل بسَّاماً من الثغر أفلجا
وألثم فاها تارة بعد تارة
واترك حاجات النفوس تحرجا
واني على سوط الهوى ذو تجلّد
أصابره ما لم أجد عنه مخرجا
ولا عيش لي إلا أن تبيت ملهوجا
على نار من تهوى وتصبح مُنضجا
وتلك التي لم ينل منها محرّما، يسميها »زينب« في قصيدة له. أو »أم جحدر« في شعر كثير له. والذين درسوا شعره، وتابعوا سيرة حياته، يقولون: ابن ميادة صريع أم جحدر.
نظرنا، فهاجتنا على الشوق والهوى
لزينب نار أوقدت بجبار
كأن سناها لاح لي منه خصاصة
على غير قصد والمطي سواري
حميسية بالرملتين محلها
تمت بحلف بيننا وجوار
وزينب، هذه، قناع لمحبوبته أم جحدر، وهنا القصة بكل تفاصيلها، موجزة:
تعلق ابن ميادة، بأم جحدر بنت حسان، تعلقاً يفوق الوصف، وأحبها حباً عنيفاً، عفيفاً، لا يباريه في ذلك إلا قيس وعنترة. وهو ـ إلى ذلك ـ متدين طاهر القلب والإيمان.
 ويورد »صاحب الأغاني« أن أقصر يوم مر به ابن ميادة، يوم جاء إلى أم جحدر، باكرا، فجلس بفناء بيتها، فدعت له هي بقدر لبن كبير، فأخذه منها بينما كانت هي تحدثه، فكره أن يقطع حديثها إن هو شرب لبنها. فما زال القدح على راحته وهو ينظر إليها حتى فاتته صلاة الظهر، ولم يأت على شيء من ذلك اللبن.
ألا حيّيا رسماً بذي العشق مقفرا
وربعاً بذي الممدود مستعجماً قفرا
فأعجب دار دارها غير أنني
إذا ما أتيت الدار ترجعني صفرا
لكن هذا المطلع لا تستدير معانيه على متلقيه إلا بعد أن يدرك سبب قول تلك القصيدة، وزمنها. أما الأول فهو بعدما تزوجت »أم جحدر« بغيره كما أراد لها أبوها ذلك. وأما زمنها فهو ميدان الفراق بينهما. لذلك تراه ـ وقد اجتمع إليها ـ لا يسلك إلا سلوك قيس مع ليلى، وهذه هي طائفة العشاق العذريين، لا يرون في المحبوب إلا صورة الحب:
ألا ليت شعري هل إلى أم جحدر
سبيل، فأما الصبر عنها فلا صبرا
فإن يك نذراً راجعا أم جحدر
عليَّ، لقد أوذمت في عنقي نذرا
واني لأستثني الحديث من اجلها
لأسمع منها وهي نازحة ذكرا
واني لأستحيي من الله أن أرى
إذا غدر الخِلان أنوي لها غدرا
ذهب صاحب هذا الحب الكبير، إلى والد أم جحدر، وخطبها إليه منه، فلم يسمع حسان للعاشق، ولم يحفل به أيضا. بل إنه قال له: أنت من نجد، وأريد لها زوجاً من بلاد الشام، وهكذا فعل، فكأنه يريد بذلك تمديد المسافات بين العاشقين العربيين.
طوى ابن ميادة جناحيه على جراحه، وتوجه إلى ربه وخالقه، فهو شديد التدين، متين العفة، وقبل أن تبقى أم جحدر تقاسمه شغاف قلبه، حتى وأن نأت بها الديار بعيدا عنه في بلاد الشام.
أجارتنا، ان الخطوب تنوب
علينا، وبعض الآمنين تُصيب
أجارتنا، لست الغداة ببارح
ولكن مقيم ما أقام عَسيبُ
فإن تسأليني: هل صبرت؟ فإنني
صبور على ريب الزمان صليب
وبقي ابن ميادة، طاوياً جناحيه على جراحاته، حتى مماته، وفيا لامرأة يحسبها الركبان عشيرته، لشدة التصاقه بذكراها.

 
جمعة اللامي