اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 في لقائي بـمايكل أونداجي.. حياة شاقة مليئة بالمفاجآت
 لقائي الأول مع باسكال مرسييه
 شاعر بقبعة من القش وفكرة مرهفة
 لمترجم تركي واحد.. مؤلفات عربية في مكتبات اسطنبول
 أطفال القراءة

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

حقيبة مهاجر
 
أبولنير..الشاعر الذي باع مليون نسخة من ديوانه ومات جائعا
أبولنير..الشاعر الذي باع مليون نسخة من ديوانه ومات جائعا
 
جاءتني على بريدي دعوة من مهرجان أبولنير في باريس. أسعدتني الدعوة جدا، حملتها في يدي وصعدت إلى شقتي في الدور الرابع في سكاربيك المدينة الغربية من العاصمة بروكسل. كنا في أول الخريف، وضعت الحاجات التي جلبتها من السوق على الطاولة ورحت أبحث عن دواوينه في مكتبتي. تذكرت أني في بغداد ترجمت ديوانه كاملا، كنت جنديا ذلك الوقت في جبهات الحروب ونقلت دواوينه معي من مكان إلى مكان.
 وبعد تسرحي كنت قضيت عاما كاملا في ترجمته، وأرسلت الترجمة إلى المشروع القومي للترجمة في القاهرة، إلا أن المخطوطة ضاعت عندهم ولم يكن لي منها نسخة أخرى، وبقي هذا الأمر يؤلمني كثيراً. 
هكذا إذن سأشارك في احتفال الشاعر الجندي الذي أحببته، والذي وقف في العام 1907، في مقهى النيم في شارع السان جرمان دوبريه، أمام صديقه ماكس جاكوب، وحلم بقراء شعره وتصورهم هكذا: ملاكم زنجي من أميركا، وإمبراطورة صينية، وصحفي ألماني، ورسام أسباني، وفتاة أرستقراطية فرنسية، وفلاحة إيطالية، وضابط إنكليزي في الهند...
هذا العام هو عام الشعر في فرنسا، وربما باريس هي عاصمة الشعر في العالم للقرنين الماضيين بلا منازع، أما شاعر باريس فهو غيوم أبولنير بامتياز، فقد حقق ديواناه (كحول وكاليغرام) أعلى المبيعات، بل تجاوزت المليون بقليل...وربما كانت قصائد الحب العظيمة التي كتبها وهو جندي في الحرب العالمية الأولى، ونبرته المجددة الساحرة وراء هذا الاهتمام الواسع بقصائده ولا سيما بين الشباب، فقد انتصر الشباب للشاعر الباريسي الذي قاد حياة غريبة بإطاعته لغرائزه، وتجاهله للتقليد، وكسره للمواضعات الأدبية والاجتماعية السائدة في عصره، وقد أسهمت عوامل عديدة في خلق أسطورته منها: منشأه الغامض، وقدرته الفذة على اصطناع النكتة العملية وإشاعتها، وكذلك جسمه الضخم، وجشعه للخيال، واستقباله لكل جديد ومبالغته به، وأخيرا اهتماماته المتنوعة: التجديد الشعري في ديواني كحول وكاليغرام، كتابة الروايات الإيروتيكية، النقد الفني، الرسم، ومن ثم كتابة المسرحيات.
يحتفظ النقاد عن شخصية أبولنير بالعديد من الوثائق والمعلومات والمذكرات والصور القلمية، وذلك لأن موته المبكر والمأساوي دفع أصدقاءه للحديث عن حياة الشاعر وذكرياتهم تلبية لرغبة الجمهور ولذا بقيت جل مؤلفاته المنشورة عنه تتحدث عن شخصه أكثر مما تحدث عن نتاجه. وربما لأن تعددية شخصيته تغري بالحديث عن أبولنير المتوقد، فشخصيته المتعددة من التنوع قد اضطرته أن يضع في البنك خمسة نماذج مختلفة لإمضائه، وليس هذا التعقيد-نسبة لكتاب سيرته سوى جزء من أصله السلافي الإيطالي في آن واحد، وربما شكلت تجاربه المثمرة المتنوعة شخصيته الشاعرة المتحسسة، فبعد أن أمضى طفولته في حوض البحر المتوسط انجذب إلى منطقة الآرادن في الشمال، ومن ثم أصبح الشاعر الأكثر باريسية من جميع الشعراء.
امتلك أبولنير وعيا خلاقا، وموهبة عالية للمحاكاة، وشهية مفتوحة على كل جديد، وقدرة على مطاردة كل مغامرة، والجري وراء كل مخاطرة والسعي إليها، حاول في عمر مبكر أن يكسب عيشه بنفسه بفضل مهن متعددة، فوجد نفسه ممتزجا بالعامة التي تخوض في حسيتها وحياتها بعيدا عن النقاء البرجوازي والطهارة المسيحية، فأفنى في ملذاتهم صحته الجيدة وأخلاقيته الممتازة، بل كانت شهيته تنتعش في الوجود المضطرم في البوهيمية الفكرية والفنية في منطقتي المونمارتر والسان جرمان دوبريه، هناك حيث تعلم التضليل في الحياة، والثراء في الفن، وأجهد نفسه في صقل موهبته وإثراء روحه المبدعة والأصيلة وحديثه الشيق والممتع، وهكذا، استطاع أن يترك في أصدقائه فتنة عميقة وسحرا، بل اكتملت حياته بصداقاته العظيمة للفنانين والشعراء، وكان منجذبا بقوة إلى النساء، بل كانت به حاجة شديدة لفتن النساء وأسر قلوبهن، إلا أن أقل ممانعة منهن كانت تثيره وتفضي به إلى الحماقات والأعمال الخرقاء.
لقد كان أبولنير منجذبا بضعف إلى النساء، سواء كان ذلك تحت وقع الشوق الإيروتيكي أو العطش العاطفي، وقد عاش تجارب متعددة، لم تكن برمتها تعيسة، إنما استطاع الحصول بفضل مواهبه على تجارب أخرى سعيدة، ويقينا كان الألم والعذاب نصيبه في النهاية، فخابت خطوباته جميعها، وقد أعقب الموت زواجه بأيام، ولم تكن مسؤولية خيبات الأمل هذه تقع على ما يبدو على النساء اللواتي عرفهن فقط، إنما كان أبولنير –وهذا ما ذكره جميع أصدقائه دون استثناء- أخرق، ومتسلطا، وفظا، وقليل الإخلاص، كما كان غيورا وفخورا ومتألما. لقد كان هذا الشقي في الحب يرى في الحب شيئا خياليا يخترق آماد الكون ويبتعد كليا عن النفس المجبولة على الحياة، ما زاد معاناته حدة، وزاد هذا الحب في داخله شعورا بالوحدة، أحسها منذ أول تجربة مريرة، وكانت رهافة حسه تحترق وقد أشرقت بشعره بشكل واضح، وهذا ما يدل عليه الجرح الذي تركته آني بلايدن عليه، الذي لم يتمكن من إنكاره على الإطلاق فتحول إلى قصائد جميلة وبارعة، وخلف رحيل ماري فيه حالة من الخور والضعف والإرهاق دامت طويلا، إلا أنه كما قال الناقد جاك رونسيير كان لأبولنير توازن يبعده عن التفكير بالانتحار، بل العكس من ذلك صنع الحب الشقي منه واحدا من أعظم شعراء العصر، وكانت هذه المرارة القلبية هي واحدة من مصادره الشعرية والفكرية، وكانت لأبولنير ثقة عالية بالحياة توجهه، إذ كان ملتهبا على الدوام، وكان يتحدث عن شيء على الدوام، بل كان له إيمان يتطور ويتكون، وكان نشاطه الجوهري في الشعر يشكل أحد الأجنحة العظيمة التي طار بها الشعر الفرنسي والعالمي، فهو سيد التجريب بلا منازع، وهو الذي هدم الصنم العظيم المعبود للشعر الرمزي أوائل هذا القرن، لذا عده السرياليون واحدا من أسلافهم. 
علي بدر