اقرأ في هذا العدد
 
 




أما بعد
 
ألم منقول!ـ
ألم منقول!ـ
 
شاع في بيتنا مصطلح طبي هو "ألم منقول"، وكنا نردد هذا المصطلح بسخرية أو تفسيراً لفعل أو سلوك أو حديث نتابعه في الحياة أو من على شاشة التلفزيون.
علاقتنا بهذا المصطلح بدأت عندما أمسك الطبيب بإصبع زوجتي وقال:
- الألم في هذا الاصبع لايدل على أنه مصاب.. إن مصدر الألم هو العمود الفقري!
احتجنا الى وقت طويل لنستوعب كيف أن ألم اصبع القدم مصدره الظهر الذي لاتشكو من علة فيه؟
كان الطبيب صبوراً، فشرح لنا معنى توصيفه للألم أنه "ألم منقول".. قال إن الأمر يشبه أن تشكو من صداع فتظن أن الألم في رأسك فتربطه بعصابة أو تأخذ حبة بندول فلا يشفى، لأن السبب قد يكون مرضاً في المعدة أو في العين، يعني أخذنا على قدر عقولنا كي نأخذ دواءً للعمود الفقري، ولم نقتنع بكلامه إلا بعد أن جاء الدواء بالشفاء.
من يومها ونحن ننظر الى ما حولنا من آلام ومعاناة للبشر في العراق وفق قاعدة "الألم منقول"!
عندما تسمع خصومات الأخوة أو الازواج أو الاصدقاء وتعرف تفاصيلها تجد انها لاتستحق كل تلك الردود العنيفة فالمشكلة أبسط من أن تكون مشكلة، لكن فكرة الألم المنقول يمكن أن  تفسر كل ذلك الغضب والاحتقان في العلاقات البشرية، فهم لايناقشون المشكلة الاصلية وانما تفاصيل هامشية لا قيمة لها.
لم أعد انظر لمن يشكو لي من رئيس الوزراء مثلا على أنه شخص يعرف العلة التي يشكو منها، فربما كانت مشكلته مع.. رئيس البلدية التي هو فيها! لكن الحديث العمومي عن رئيس الوزراء وانتقاده هو اسهل من انتقاد رئيس البلدية وما يلحقه من مشكلات مع قوى سياسية أو عشائرية أو طائفية تدعمه. تماما كما يفعل الصحفيون الابطال عندما يشتمون بالصوت العالي اميركا ويتداولون همساً انتقادهم لرئيس البلدية. هذه ثقافة عربية بامتياز، ولطالما فرت من مشكلات حقيقية صغيرة الى مشكلات وهمية أو تاريخية كبرى!
 وعندما استمع لنقاش طائفي بين طرفين في قضايا التاريخ أعرف أنه نقاش أو "ألم منقول" من علة أخرى هي الصراع على سلطة أو مركز في أيامنا هذه.
الافكار المتطرفة والحادة التي تهدد بالابادة، والمنطلقة من قنوات الكراهية الطائفية، لاتدل على أن اصحابها انقياء وشجعان ويبحثون عن الحلول الجذرية، بل هم ينطلقون من "ألم منقول" عن علة اسمها الخوف. الخوف يصنع الاهوال في النفوس والعقول، وترى اكثر الناس وداعة وانسانية ينقلب، بفعل الخوف، الى جزار وبطل من ابطال ابادة الجنس البشري. وانني اعتقد ان طائفتينا الكريمتين لو عرفت الواحدة منهما كم تسبب من الخوف للطائفة الاخرى، لانتهى خوفها وتوازنت في كلامها وافعالها.. لكنهما لاتدريان شيئا عن المهما المنقول! واكثر كلام سمعته منذ سنوات عودتي للعراق هو من هذا النوع:
لماذا هم متفقون وطائفتنا متفرقة؟ لماذا هم آمنون ونحن نعيش في الخطر دائما؟ وهذا الكلام بالطبع راود القارئ سواء كان شيعياً أم سنياً لمرات، ولعله بات يعرف ان الطائفتين تردده حرفياً!
الآلام المنقولة جسدياً بحاجة الى طبيب ماهر ليكتشفها ويعالجها، لكن ماذا عن اسئلة حياتنا الكبرى ومخاوفنا وتصورنا لحلولها.. متى سنضع اليد عليها؟ 
نحن نضع الكثير من السكر في الشاي، لكننا نشربه مراً دائماً، والسبب كما يعرف القارئ اللبيب والقارئة اللبيبة أننا "نخوط بصف الاستكان" لا في الاستكان!
عامر بدر حسون