اقرأ في هذا العدد
 
 




ضوء
 
متحفٌ للضحايا ولنا أيضاً
متحفٌ للضحايا ولنا أيضاً
 
قيمة لا يمكن لتقادم الأعوام أنْ يدحرها، تلك هي قيمة أيِّ فنّ خالد، هو ابن زمنه بتعبيره عن غاية ما في مقطع من التاريخ، مثل وشم غائر في الجسد لا يمكن محوه.
رؤساء وقادة أحزاب في العراق والعالم، ليس كلّهم -بعد الرحيل- يحتفظ بمساحة في ذاكرة الناس، إنْ لم ينل كثير منهم اللعنات بفعل استبداد أو تخييب الآمال. وأمام إبداعات لكلّ منها دافعه الخاصّ، يغدو بقاء الأثير منها في الذاكرة الجمعيّة مرتبطاً بظروف تشكّله وظهوره. ألم تكن "جورنيكا" بيكاسو تجسيداً لقبح الحرب الأهليّة الإسبانيّة، منذ أن أجّج قصف القرية في إقليم "الباسك" لحظة ولادة هذا العمل الكبير.
لنستعيد قصّة لوحة "هيبوترن"، عن زوجة وحبيبة الرّسّام الإيطالي مودلياني، إذ يحمل العمل اسمها ويختصر سيرة فنّان معذّب وعليل لم يعش طويلاً، في حين ظلّت المتاحف تتسابق إلى ضمّ أعماله والظفر بها.
مثل ذلك في العالم العربيّ ومن بين الراهن الدموي العام، اللوحات المُبهرة للرسّام السوري يوسف عبدلكي، ومنها لوحة "أمّ الشهيد"، حيث الأمّ المفجوعة تحمل صورة ابنها الفقيد، وفي عمق اللوحة المرسومة بقلم الفحم، ظِلال صور أخرى لمفقودين، هي سيرة من سير الكارثة السوريّة المتناسلة منذ سنوات. ومثل ذلك مع لوحة "السكين والعصفور" لعبدلكي نفسه، فلمعان المعدن بحجمه الكبير يطعن رمزاً من رموز الحياة الوادعة، متمثّلاً بالعصفور: عنوان مفتتح الصباحات الآمنة، وهنا توظيف لمشهد من مشاهد حرائقنا المتعدّدة، التي نالت نيرانها من دمشق.
عراقيّاً، حكايتنا مع الألم بلا حدود، أو حتّى موانع أوّلها سياسة عاقلة تفكّر بالإنسان، فأشدّ لحظات الخذلان أنتجت إبداعاً مختلفاً، ومثلها لحظات التوهّم بدنو الأحلام من التحقّق، أو ليس "نصب الحريّة" تعبيراً عن حالة من التجلّي الإنسانيّ المتطلّع لحياة أخرى، حينما تقترب من سماء الحريّة ومعناها بكسر قضبان السّجن وحمل المرأة للمشعل.
ومنذ عشر سنوات والألوان توثّق للمكان المهجور والإنسان المغدور والمدن المغلوب على أمرها، حتّى أتت عاصفة حزيران برايتها السوداء، لنقف على أعتاب مرحلة لا تشبه إلا نفسها، مرحلة اللحاق بالخراب للإفاقة من الصدمة، عبر جهد نادر لمجموعة رسّامين عراقيّين، فكانت لوحات؛ "ارحل يا خليفة" لسيروان باران، في رسم يصوّر خليفة مزعوم على كرسيّ هزّاز، و"هنا سنجار" لأحمد نصيّف، و"آمرلي ممنوع الدخول" لمحمّد القاسم، والتخطيط الجديد عن المهجرين العراقيّين الذي خصّ به الفنّان فيصل لعيبي "الحملة الوطنيّة لدعم النازحين"، ولوحة "أوقفوا الجحيم" لنذير مسلم، وأعمال وضاح مهدي، ومحمد مسير، ومحمّد عبّاس وآخرين عن "سبايكر"، عندما التقى الاسم المشؤوم للواقعة بالفعل الجبان.
هذه هي أعمال متحفنا الجديد الذي سنشيّده في الذاكرة لضحايانا، من العراقيّين جميعاً، ممّن فارقناهم؛ لأنّ القدر اختارهم ولم يخترنا ولم يختر غيرنا، لنُشرع في جمع نسخٍ من هذه الأعمال وإنْ في حواسيبنا الشخصيّة.
حسام السراي