اقرأ في هذا العدد
 
 




فنجان محبة
 
تاريخ رماد
تاريخ رماد
 
كلما دخلت المتحف العراقي، أقف صامتة أمام خزانة تعرض قلادة من تل العبيد يعود تأريخها الى العصور الحجرية الأولى، تقريبا الألف السادس قبل الميلاد واتساءل أي عاشق كبير كان ذلك العراقي القديم الذي ابتكر قلادة أهداها الى حبيبته؟ أي عاشق كبير توصل الى كيفية صنع خرز من بقايا العظام ولظمها بخيط ابتكره من عروق النباتات.. وتستمر شواخص العشق العراقي في اسورة عظمية ومن ثم في تاج ذهبي وفي أساور وقلائد وازرار قميص من الذهب والأحجار الكريمة واصبح العاج بديلا عن العظم. عشق كبير للمرأة، للأرض وللبلد، والدليل ان لا توثيق للرماد في أية حضارة سوى الحضارات العراقية. ففي اسطورة تعود الى اوروك، الألف الثالث قبل الميلاد، تحرق جيوش العدو المملكة وتبدأ الملكة الأم بالبكاء ويأتيها ابنها الملك، يقبل يديها قائلا انهم دمروا اوروك مرتين سابقا واعدنا بناءها من الرماد، هذه المرة أيضا الرماد موجود.. في جنوب كركوك، تل بسبع طبقات تاريخية، اسمه تل الرماد( Kül Tepe ) ويقال ان في موقع التل كانت مدينة في مرمى نيران حروب الاشوريين مع الجنوب، واحترقت لسبع مرات وتمت اعادة بنائها من الرماد سبع مرات.. وفي العصر الحديث، وفي الحروب واعمال العنف التي شهدها ويشهدها العراق، كان ولايزال صاحب البيت الذي يدمر لسبب ما، يقوم باعادة بنائه في اليوم التالي. العراق، وان حاولوا تقسيمه واضعافه، الا انه يستمر ممددا كحلم من جبله حتى بحره ومن بساتينه حتى صحرائه.. دائما هناك رماد لاعادة البناء، منذ ان ابتلى العراق بالحروب، أصبحت مواقعه الاثرية مطمحا ومواقع تهريب، هناك مواقع بدا واضحا ان من نقب بها و نهبها مختصون بسبب دقة الحفر واخراج اللقى بحرفية وهناك مواقع تم تخريبها على ايدي مهربين أعداء للتاريخ والحضارات ومع الأسف بينهم عراقيون ( بالاسم فقط وليس بالانتماء)، و تم نهب 15 ألف قطعة اثرية أصيلة من المتحف العراقي الذي يعد تاسع اكبر متحف تاريخي في العالم في التاسع من نيسان 2003  والأيام التي تلته وتم نهب وتدمير المتاحف في المحافظات وصولا الى متحف الموصل التاريخي. ان استهداف الاثار العراقية انما هو استهداف للعراقي، ذاكرته ومنجزه الحضاري وثقافته، ومهما كان موجعا يبقى هنا وهناك، في أية بقعة عراقية، الرماد.. سنجمعه، بأكفنا ونعيد من اعيننا صورا حفظناها لكل ما تم تدميره وتحطيمه ونعيد البناء ثانية، وليس غريبا ان كلمة ( فينيكس) التي تشير الى طائر العنقاء في الحضارة الاغريقية تعني نوعا من النخيل. فهذا الطائر الذي جاء ذكره في قصة السندباد- ألف وليلة وليلة، ولد عراقيا، وكلما أحترق فوق قمة نخلة يخرج من رماده طائر آخر ليعمر ألف سنة أخرى. ويستمر توثيق الرماد والعشق طالما نكون هنا..
 
نرمين المفتي