اقرأ في هذا العدد
 
 




نواعم
 
وزير الاعلام!ـ
وزير الاعلام!ـ
 
في سنة تعود الى تسعينيات القرن الماضي اقدمت الدولة على تخفيض الكمية التي يتسلمها المواطن من مفردات البطاقة التموينية التي تضم الشاي والسكر والعدس والفاصوليا والسمن والرز... الخ، أي إذا كانت حصته الشهرية من السكر مثلا 800 غرام، اصبحت 500 غرام، وهكذا بالنسبة للمفردات الأخرى، ومقابل هذا التخفيض يحصل كل مواطن على (الفي) دينار بصفة تعويض.. بمعنى انه قادر على شراء (النقص) من السوق التجارية!
لاشك في ان مثل هذه القضية تعد مادة صحفية مثيرة تستحق المتابعة والتغطية، ومن هنا قمت بجولة ميدانية في عدد من الأسواق وسألت عن أسعار الرز والسمن والمفردات الأخرى وتوصلت الى نتيجة مفادها، ان المواطن الذي يقبض (الفي) دينار تعويضا عليه ان يدفع (اربعة ألاف وخمسمئة دينار) لكي يشتري النقص الحاصل في بطاقته، ثم اشرت الى أن الاسرة المكونة من (6) أشخاص على سبيل المثال (وهو المعدل العام الوسط لافراد الأسرة العراقية)، تقبض مبلغا تعويضيا قدره (12) ألف دينار، غير أنها تدفع مبلغ (27) ألف دينار من أجل سد النقص الحاصل في البطاقة التي تعرضت الى (التقليل) في الكمية وليس في العدد، وهذا يعني ان الأسرة خسرت شهريا (15) ألف دينار، وكان هذا المبلغ يومها يعادل أو يفوق راتب الموظف!!
عند كتابتي التحقيق لم أعلق أو اطرح رأيا أو مقترحا، بل تركت لغة الأرقام هي التي تقول كل شيء، كان ذلك قمة في الخبث، ثم كلفت زميلي الفنان الكبير خضير الحميري ان يزود الموضوع بمجموعة من لوحات كاريكاتيرية وقدمت المادة الى رئيس التحرير الذي احالها بدوره الى وزير الاعلام حامد يوسف حمادي بعد ان أدرك بنباهته ما يخبئ وراء السطور!! 
مر ما يكفي من الزمن ولم ينشر التحقيق ولم يكن من عادتي الاستفسار عن أسباب عدم النشر حتى لا أسبب حرجاً، ونسيت الموضوع تماما في زحمة العمل، وحصل ذات مساء ان زارني الزميل المصور عبد الزهرة الهلالي الى البيت (كوني لا اداوم في المبطوع بصورة يومية) لابلاغي ان وزير الاعلام يطلب حضوري الى مكتبه غدا عند العاشرة صباحاً.. 
كان الهلالي في غاية الفرح بعد ان تناهى الى سمعه ان صدام حسين قرر أخيرا تكريمي حيث لم يسبق له ان كرمني أبداً، وأعتقد ان الهلالي لم يكن سعيدا من أجلي بقدر ما كان سعيدا بنصيبه المنتظر من التكريم، فقد قالها علانية في وجهي (حبيبي أبو عمار مو تنساني.. أريد بشاره.. لان أخوك مهتوك هتيكه)!! 
في الموعد المحدد حضرت مع اناقتي وربطة عنقي، وفوجئت ان الزميلين رئيس التحرير والحميري كانا مدعوين لتسلم التكريم، الرئاسي معي كذلك، وقرابة الساعة العاشرة صباحا استقبلنا حمادي في قاعة صغيرة مجاورة لمكتبه كان وجهه بحكم تكوينته عابساً، ولهذا لم أشعر بالخوف، لان السجل الشخصي للرجل لا يذكر له ابتسامة واحدة ولو عن طريق الخطأ أو المجاملة.. وبعد ان اخذنا أماكننا.. راح يتحدث اعني استمر في الحديث وحده على مدى ثلاث ساعات متواصلة من أقصى الشرق الى اقصى الغرب، على ان الفقرة الأهم في كلامه هي التي ركز فيها على أنه تعلم من (السيد الرئيس حفظه الله ورعاه) ان الضابط في جبهات القتال إذا تخاذل فمن حق ضابط قريب منه ان يقتله، فان لم يوجد ضابط يستطيع أي جندي القيام بالمهمة، وبما أن الصحفي اخطر من الضابط لذلك (والتفت الي بحركة رأس مباغتة) وان (الأفكار المتخاذلة التي تريد نشرها حول البطاقة التموينية لكي تنال من صمود العراقيين الأبطال تجعلني ابلغك بان قتلك لن يكفينا سوى طلقة واحدة نأخذ ثمنها من أهلك!!) وسكت فطلبت الاذن بلحديث غير أنه نظر الى ساعته اليدوية بطريقة تمثيلية وقال لي (أسف.. عندي اجتماع مجلس وزراء طارئ.. وسأدعوك مستقبلا لاستمع الى رأيك) ولم يتم استدعائي حتى بعد سقوط النظام!! 
ملاحظة: في الحقيقة لم استغرب من لغة الوزير الفجة ولكن الذي حصل في ذلك اليوم قرابة الساعة السادسة مساء ان الزميل عبد الزهرة الهلالي زارني في البيت يريد مني البشارة!! 
حسن العاني