اقرأ في هذا العدد
 
 



ادوات الموضوع
طباعة الموضوع
ارسال الموضوع
حفظ الموضوع
اضافة الموضوع للمفضلة
مقالات ذات صلة
 في لقائي بـمايكل أونداجي.. حياة شاقة مليئة بالمفاجآت
 لقائي الأول مع باسكال مرسييه
 أبولنير..الشاعر الذي باع مليون نسخة من ديوانه ومات جائعا
 لمترجم تركي واحد.. مؤلفات عربية في مكتبات اسطنبول
 أطفال القراءة

مقالات من الرئيسية
 محشي ورق العنب
 شاشات الحاسوب تعرض الأطفال للاكتئاب
 الضحك نعمة لاتبخل بها على نفسك
 فضائيات الدجل والشعوذة تغزو بيوتنا .. فياغرا من مزيج بيض النمل وتفاح الجان
 مارسيل خليفة في بداياته : نجحت اولاً في فرنسا مع أغاني أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب

حقيبة مهاجر
 
شاعر بقبعة من القش وفكرة مرهفة
شاعر بقبعة من القش وفكرة مرهفة
 
رأيت الشاعر صلاح ستيتية مرة في عمان، كان يرتدي قبعة من القش. نظر لي بعينيه الصغيرتين مبتسما وقال: “الكاتب هو قبعة من القش وفكرة مرهفة”...لم أفهم كلامه مباشرة غير إني أدركت فيما بعد أنه يتكلم شعرا، وأقصد يتكلم عن الإحساس لا عن التجريد، عن التضمين لا عن التعيين.
 كتبت سوزان زونتاغ: “إن الإحساس في الفن هو البديل عن التأويل ..”.
 لقد أرادت بحق أن تجعل من الحس بديلا عن المعنى..وأن تجعل من مشاعر الفكرة بديلا عن الفكرة المتحققة، وهكذا علق جان بيير ريشار الذي أولع بشعر بول فاليري ومقبرته البحرية بأن جذر الشعر هو شرارة تولد الفكرة.. شرارة تتوهج بعمق وإحساس نادرين، تتوهج لتضيء شيئا ما في داخلنا، ثم تنطفئ شيئا فشيئا غير أنها تخلف ندبة الحرق والكي التي لا تندمل أبدا...الفكرة إذن هي الكي والحرق في الكتابة، وهي الجذوة التي تشتعل ولا تنطفئ مطلقا، تشتعل بفعل الزيت الذي تديمه لذة النص، بفعل المشاعر التي تخترق سطح الكتابة وتصل إلى العمق..تصل إلى الأبعاد القصوى في اللذة. إن اللذة في الكتابة هي الوجه الآخر للحرب والمرض والعزلة. 
جاك دريدا لا يتمسك بفكرته ...إنما يحلق معها... الفكرة تهدم ..تهلك وتبيد..إنها خط...بذرة..تنمو وتخيف..إنها ما تولده الكتابة من رغبة جامحة توقظ مخيلتنا وأحلامنا، إنها ما تولده الكتابة وتشكله ..وما تقدمه من أحلام تريد أن تحتل مكانا وسط فوضانا؟ وسط فوضى أشيائنا العديدة وحواسنا المضطربة والمشوشة، أو وسط ممكناتنا... الفكرة في الكتابة..هي الإحساس بالفكرة.. هي الخيط الذي تتركه فينا مثل أثر الطعم اللاذع على اللسان..أو مثل الخط المرسوم على اليد..أو مثل الحرق على اللحم الذي تتركه قطرة من التيزاب.
الفكرة لا تأتي في الكتابة إلا متحررة من سياق اللغة...فكرة خارقة، تأتي على هامش الوقائع التي تحيط بها، فكرة متجاوزة لكل الوقائع، متجاوزة لكل الأشياء والأحداث، إنها الحد الفائق في النص، والتي لا يمكن تجاوزها إلا لصالح واقع افتراضي أو أثيري. ..الفكرة هنا هي نزوع نحو عالم مشوش ولانسقي ومضطرب وكارثي...
الفكرة هنا هي قلب وتأرجح بين ما هو واضح وما هو ملتبس، بين ما هو مغلق وما هو منفتح، بين ما هو بديهي وواضح ويقيني وبين ما هو معتم ومستغلق وعصي على الإدراك، الفكرة هي توتر بين ما هو مستبعد وما هو قريب، بين ما هو إنساني وما هو إسطوري، الفكرة هي صراع دائم بين ما هو قائم وما هو متخيل، بين ما هو موجود وما هو أثيري.
هكذا تعرفت على صلاح ستيتية، وترجمت قصائده، وأصبحت بيننا مراسلات عديدة. لقد أحببت شعره لأنه يعلن على الدوام عن امتزاج الفكرة بالواقع الشبحي، يعلن عن الروح الخفية في الحياة، عن الوقائع الكونية التي تهيمن علينا، يعبر عن الوقائع المحسوسة والمبهمة في آن مثل الحب والغيرة والحسد والانسحاق الإنساني والتوتر...وهو مثل آن بورتوغال Anne Portugal حين كتبت في ديوانها “ الثنية على البنطال” : إن شارع الموريون يؤخرون تسجيله...كما لو إني بليز تحت المدارات..ديكور بسيط ومؤلف جيدا يذكرني بشيء اسمه بدلة أو سترة أو فكرة”. الفكرة هنا هي تفكيك الدلالة والمعنى، الفكرة هي إرادة تفكيك اللغة..تفكيك الكلمات والأفعال والمعاني، الفكرة  جديدة لا تنتمي إلى لغة...ولا إلى نسق تداولها وتناولها. اللغة تتزعزع وتهدم نفسها وسط المعنى، اللغة تعيق تطورها ونموها الغنائي لصالح فكرة مختزلة، لصالح فكرة يتداخل فيها الصمت والصورة، يتداخل فيها الرمز والدلالة، ويشكل الإحساس سمتها الصوتية والبصرية، ولكن هل تصل الفكرة إلى مغزى الليل...هل تصل إلى مغزى النهار..هل تقف عند منتصف الطريق أم تصل أخيرا، هل تصل أم لا تصل أبدا هكذا كتب الدوق ألفا في مذكراته عن الكتابة البيضاء التي أدركها وهو يكتب روايته.
كتب رولان بارت فيما مضى عن أصابع الفكرة المحطمة وعن موت نصف الحقيقة كي لا يبقى التاريخ هالة بلهاء... كان بارت يعرف أن الفكرة بسيطة وناعمة مثل عشب، لكن الحقيقة معقدة مثل الكتابة، ومثل الحياة، وهكذا كتبت جويس منصور في ديوان صرخات (cris): “الفكرة هي أنت حين تلتهمني بعينيك..حين تلتهمني بلسانك الوحشي ويديك”. لقد أرادت جويس منصور أن تجعل من الفكرة رغبة من رغباتها، أرادت أن تبعثها هناك وراء الكلمات لتتحول إلى يدين ولسان، كانت تبحث عن المحسوس وراء المعقول، كانت تفكر في تحويل الوقائع إلى كسر وشظايا. الرغبة في شعر جويس منصور مثل الفكرة في شعر صلاح ستيتية، فكرة  تعكس أرواحا مصغرة ومنمنمة، كل فكرة تتعرض للتبدل والزوال، كل جسد يواجه الانقسام والتبعثر، كل شيء يفارق الغرابة ويدخل في الافتتان والموت...” الفكرة هي أن نلتحم ونموت” فندرك عبر الفكرة لا الجسد وحده ..إنما الواقع الشبحي الذي يعلن عن عدميته ولا جدواه.
حين نحلم بالكتابة..ستغدو أحلامنا متقاربة، هكذا كان هولدرلن يعتقد وهو في جذوة جنونه، الكتابة هي الحلم ..الحلم بوصفه استعارة كامنة في موتنا. والمخيلة هي التي تقودنا إلى الحلم مرة وإلى الفكرة مرة أخرى، غير إن الفكرة في الكتابة لها معنى مؤجل على الدوام، أو معنى في حالة كامنة، معنى يتغير من مكان إلى مكان، معنى له دلالات جديدة، يتبلور في كل موقع ليبين قدرته على إثارة الحلم، الفكرة متضمنة فينا ومتكلمة منا، تتكلم مثلما تتكلم الأفكار والأحلام، إنها خيال في الخيال ذاته، تنمو باطراد، وتتوسع على الدوام وتنتشر، إنها أشكال متغايرة لفكرة أو لعبارة أو لكلمة، أو لإحساس، يتحول إلى جوهر، وإلى تأكيد، ويرتقي في خيالنا إلى الدرجة القصوى من سلم تفكيرنا.
أنا أتحدث عن الكتابة هنا بوصفها نوعا من التوحد التام بين الكشف الحسي والمقاربة الجسدية، أتحدث عن البعد التعبيري في اللغة عندما لا ينفصم مطلقا عن الرغبة، أتحدث عن الكتابة بوصفها نوعا من التحليق بالفكرة فوق الحياة وما تحتها، وها هي بعض كتب صلاح ستيتية بين يدي، قد أرسلها لي وكتب لي معها رسالة رقيقة، وعلق في جملة أخيرة:
“ أنا على الشاطئ الأخير من بحر الحياة وأتساءل ..هل كان لحياتي معنى”..نعم الكتابة هي المعنى  الذي يقودنا إلى الغبطة الأبدية، هي فيض المعنى الذي نبحث عنه في الحياة وما وراء الحياة، هي الجاذبية الخلاقة والساحرة التي تقودنا بالتأكيد إلى نوع من التجلي والتسامي الأخلاقي.
علي بدر